إشراقة الروح في عتمة البصر
كيف يمكن لطفلة في الثالثة من عمرها أن تستقبل صباحاً انحجبت فيه الألوان، وغابت عنه ملامح الوجوه، لتبدأ رحلة صمت بصري دامت أحد عشر عاماً؟ تُمثل روضة النعيمي الإجابة الحية عن هذا التساؤل؛ فهي لم تكتفِ بالتعايش مع فقد البصر، بل جعلت من خيالها نافذة تطل منها على عوالم أرحب، محولةً عتمة الرؤية إلى ضياء في الكلمة، لتصدر قصتها البكر "مغامرات خارج الزمن" وتثبت أن العين قد تكلّ، لكن الروح الوثابة لا تعرف الكلل.
أدوات التمكين: من لغة اللمس إلى آفاق الرقمنة
اعتمدت روضة النعيمي في رحلة صعودها على منهجية علمية وأدوات تعليمية متطورة، مكنتها من تجاوز العقبات الحسية، ومن أبرز هذه المحطات:
- إتقان طريقة برايل (Braille): وهي نظام كتابة ليلية تعتمد على الرموز البارزة التي تُقرأ باللمس، وقد وصفتها روضة بأنها تجربة ممتعة وسهلة فتحت لها أبواب المعرفة.
- الدمج التعليمي: الانتقال من المناهج المتخصصة في "مركز النور للمكفوفين" بالدوحة إلى مدارس الدمج، مما عزز تفاعلها مع أقرانها المبصرين.
- التحول الرقمي: استخدام الأجهزة الإلكترونية المساعدة التي تتيح للمكفوفين حل الواجبات والمشاركة في المنصات التعليمية الحديثة.
"مغامرات خارج الزمن": فلسفة البقاء والمعرفة
في إصدارها القصصي الصادر عن دار "نبراس" القطرية، تأخذنا روضة النعيمي في رحلة رمزية تعكس صراعها الداخلي وانتصارها. تبدأ القصة باختفاء الضوء والوقوع في غابة مظلمة، وهو تشبيه أدبي بليغ للحظة فقدها للبصر.
تنتقل البطلة عبر الزمن من عام 2098 إلى عام 1998، لتقدم لنا درساً في "سيكولوجية التكيف"؛ حيث تكتشف أن المعرفة هي طوق النجاة الوحيد. تجلى ذلك في مواجهتها للتماسيح في النهر المظلم، حيث لم تكن النجاة بالقوة البدنية، بل بفهم طبائع الحيوان وعاداته، وهو ما يعيد للأذهان فلسفة "حي بن يقظان" في استنطاق الطبيعة وفهم قوانينها للعيش بسلام.
إنجازات في أرقام ومحطات ملهمة
لم يكن مسار روضة النعيمي مجرد أحلام عابرة، بل توجته بإنجازات ملموسة تعكس حجم الجهد المبذول:
- التكريم الوزاري: حظيت بتكريم خاص من سعادة السيدة لولوة الخاطر، وزيرة التربية والتعليم والتعليم العالي، التي تعتبرها روضة ملهمتها الأولى.
- التميز القرائي: حصدت مركزاً متقدماً ضمن الخمسة الأوائل في الدورة السادسة لأولمبياد القراءة.
- المنافسة العربية: برز حضورها القوي في الموسم التاسع من "تحدي القراءة العربي".
- المشاركة الثقافية: سجلت حضورها ككاتبة واعدة في معرض الدوحة الدولي للكتاب في دورته الـ35.
طموح يعانق عنان السماء
تتجاوز أحلام روضة النعيمي حدود الكتابة القصصية، فهي ترنو ببصيرتها نحو مستقبل سياسي وأكاديمي مشرق. تطمح الأديبة الصغيرة إلى أن تصبح أستاذة في السياسة الدولية بجامعة قطر، وأن تحمل صوت بلادها في المحافل العالمية. إنها رؤية تتجاوز الذات لتشمل الوطن، وتؤكد أن الإعاقة الحقيقية هي إعاقة الإرادة لا إعاقة الجسد.
ختاماً، تظل تجربة روضة النعيمي منارة أدبية وإنسانية، تذكرنا بأن النور الذي ينبع من الداخل هو الوحيد الذي لا يمكن لظروف الحياة أن تطفئه. لقد علمتنا روضة أن التعاون والمعرفة هما المفتاحان الذهبيان لتجاوز أصعب التحديات، وأن الكلمات حين تخرج من قلب صادق، تصل إلى القلوب دون الحاجة إلى وسيط من بصر أو صور.



اترك تعليقاً