زلزال في ثوابت التحالف: السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل في ميزان «أمريكا أولاً»

زلزال في ثوابت التحالف: السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل في ميزان «أمريكا أولاً»

زلزال في ثوابت التحالف: السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل في ميزان «أمريكا أولاً»

هل تدرك تل أبيب أن بساط الدعم المطلق يُسحب من تحت أقدامها ببطء وهدوء؟ إن المشهد السياسي في واشنطن لم يعد كما كان، فالتحولات العميقة التي تشهدها السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل تتجاوز مجرد خلافات عابرة بين مسؤولين، لتكشف عن تصدعات في جدار تحالف كان يُظن يوماً أنه منيع ضد التغيير.

وهم الاستثناء وسلطة الواقع

ساد اعتقاد طويل في ردهات الحكومة الإسرائيلية بأن عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض تعني صكاً على بياض، وأن إسرائيل ستظل «الاستثناء المقدس» في عقيدة «أمريكا أولاً». لكن الواقع الجيوسياسي الجديد يثبت أن هذه العقيدة لا تعرف المستثنيات؛ فالمصالح الأمريكية اليوم تُوزن بميزان الذهب، حيث تُقدم الأولويات الوطنية لواشنطن حتى وإن اصطدمت بشكل مباشر مع الطموحات الأمنية والسياسية لتل أبيب.

إن هذا التحول يشبه حركة الصفائح التكتونية في باطن الأرض؛ قد لا نشعر بها في كل لحظة، لكن أثرها يعيد تشكيل تضاريس المنطقة بأكملها. فمنذ العمليات العسكرية المشتركة ضد إيران في فبراير الماضي، بدأت الفجوة تتسع، وما كان يُنتظر أن يكون بداية تقارب تاريخي، تحول إلى منصة لبروز خلافات جوهرية.

جيه دي فانس: صوت الواقعية الجديدة

لم يعد جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، صوتاً منفرداً في البرية، بل صار لسان حال تيار متنامٍ داخل الإدارة الأمريكية. تصريحاته الأخيرة لم تكن مجرد تحذير، بل كانت إعلاناً عن نهاية عصر «التدليل السياسي». لقد صاغ فانس الحقيقة المرة بوضوح: إسرائيل فقدت معظم حلفائها، والرهان على دعم أمريكي أبدي هو رهان على سراب إذا لم يتوافق مع بوصلة واشنطن.

ويمكن تلخيص ملامح هذا التحول من خلال المؤشرات التالية:

  • تراجع الزخم الدبلوماسي: انخفاض ملحوظ في وتيرة زيارات بنيامين نتنياهو إلى واشنطن مقارنة بالأعوام السابقة.
  • فتور القنوات المباشرة: تراجع كثافة الاتصالات بين البيت الأبيض وديوان رئاسة الوزراء الإسرائيلي.
  • تقديم المصالح الاقتصادية: تفضيل واشنطن لمسار التهدئة مع إيران لضمان استقرار أسعار النفط وتأمين الملاحة في الخليج، وهو ما يراه الإسرائيليون تهديداً مباشراً لأمنهم القومي.

الصدام بين الدبلوماسية والأمن

تتجلى ذروة هذا التحول في الموقف من الملف الإيراني. فبينما ترى واشنطن في الاتفاق مع طهران «طوق نجاة» لاقتصادها ومصالحها الإستراتيجية، ترى إسرائيل في البرنامج الصاروخي الإيراني «سيفاً مسلطاً» على رقابها. هذا التباين ليس سوى ترجمة حية لتعارض المصالح؛ فما تعتبره واشنطن نجاحاً دبلوماسياً، تراه تل أبيب فشلاً أمنياً لا يمكن التغاضي عنه.

حتى نبرة الرئيس ترمب نفسه لم تعد تخلو من القسوة، فانتقاداته للعمليات العسكرية في لبنان تعكس ضيقاً بـ «الضجيج العسكري» الذي يعيق مسارات التفاهم الكبرى التي يسعى إليها مع القوى الإقليمية.

خاتمة: نحو أفق سياسي جديد

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد سحابة صيف في سماء العلاقات بين واشنطن وتل أبيب، بل هو إعادة صياغة شاملة للعقد السياسي الذي ربط الطرفين لعقود. إن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل تخرج من عباءة العاطفة التاريخية لتدخل في معطف البراغماتية الباردة. وفي عالم السياسة، لا توجد صداقات دائمة، بل توجد مصالح تتغير بتغير الزمان والمكان، ومن لا يقرأ تحولات الرياح، يجد نفسه وحيداً في مواجهة العاصفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *