سارة مولالي في ضيافة الفاتيكان: حين تتقاطع التقاليد مع رياح التغيير

سارة مولالي في ضيافة الفاتيكان: حين تتقاطع التقاليد مع رياح التغيير

عبور تاريخي نحو أسوار روما

تقف سارة مولالي اليوم على أعتاب الفاتيكان، حاملةً معها تاريخاً من التحولات العميقة في كنيسة إنجلترا، لتبدأ زيارة رسمية تستغرق أربعة أيام. هذه الرحلة، وهي الأولى لها منذ تنصيبها، تضع ملف المرأة في الكنيسة تحت مجهر الفحص والمقارنة، حيث يلتقي البابا ليو الرابع عشر بامرأة تترأس واحدة من أعرق الكنائس الأنجليكانية، في مشهد يختزل تباين المسارات بين مدرستين مسيحيتين عريقتين.

الأنجليكانية: ثورة ناعمة في هيكل الكهنوت

قطعت الكنيسة الأنجليكانية أشواطاً واسعة في تمكين المرأة من اعتلاء درجات السلم الكهنوتي، وهي رحلة لم تخلُ من مخاض عسير وتوترات تاريخية. فمنذ قرار المجمع العام في عام 1992، تحولت ملامح الخدمة الدينية لتصبح المرأة شريكاً أساسياً في القيادة.

تتجلى هذه الشراكة في الأرقام التالية التي تعكس واقع الكنيسة في عام 2024 و2025:

  • الحضور النسائي: تمثل النساء حوالي 37% من رجال الدين العاملين في كنيسة إنجلترا، من إجمالي 18 ألف كاهن.
  • القيادة العليا: توجد حالياً 36 أسقفة، تتبوأ 12 منهنّ مناصب سيادية برئاسة أبرشيات كاملة.
  • مستقبل الخدمة: تشير التقارير إلى أن غالبية المتدربين الجدد للخدمة الكهنوتية هنّ من النساء، مما ينبئ بتحول ديموغرافي مستقبلي.
  • الانتشار العالمي: تدير هذه المنظومة شؤون نحو 85 مليون تابع أنجليكاني ينتشرون في أكثر من 165 دولة.

الفاتيكان: توازن بين الإدارة والعقيدة

في المقابل، تتمسك الكنيسة الكاثوليكية بتقاليدها التي تقصر الرسامة الكهنوتية على الرجال، لكنها تحت قيادة البابا فرانشيسكو (الراحل) والبابا ليو الرابع عشر، بدأت بفتح نوافذ إدارية واسعة للنساء. هذا التوجه يفرق بوضوح بين "السلطة الروحية الكهنوتية" و"الإدارة التنفيذية".

ويمكن رصد ملامح الدور النسائي في الفاتيكان من خلال النقاط الآتية:

  • الكوريا الرومانية: لأول مرة، تم تعيين نساء في مناصب قيادية داخل الجهاز الإداري والتنفيذي الذي يدير شؤون الكنيسة ودولة الفاتيكان.
  • مناصب سيادية: تبرز الأخت سيمونا برامبيلا كرئيسة لمكتب الإشراف على الرهبانيات عالمياً، بينما تولت الأخت رافايلا بيتريني رئاسة ولاية دولة الفاتيكان في مارس 2025.
  • حق التصويت: شهد عام 2023 سابقة تاريخية بالسماح للنساء بالتصويت في المجمع الكنسي (السينودس).
  • الثبات العقدي: رغم هذه الانفتاحات، رفضت لجنة فاتيكانية في ديسمبر 2025 فكرة ترسيم النساء كـ "شماسات"، وهو منصب يسمح بإقامة مراسم التعميد والزواج دون القداس، مع تأكيد البابا ليو الرابع عشر على عدم تغيير العقائد الأساسية.

لغة الأرقام في الكنيسة الكاثوليكية

تظل الكنيسة الكاثوليكية جسماً بشرياً ضخماً، حيث تظهر إحصائيات عام 2025 توازناً دقيقاً بين التراجع والنمو في رتبها المختلفة:

  • الراهبات: يبلغ عددهن 589 ألفاً، رغم تسجيل انخفاض قدره 9 آلاف عن العام السابق.
  • الأساقفة: سجلوا زيادة طفيفة ليصل عددهم إلى 5430 أسقفاً.
  • الكهنة والشمامسة: استقر عدد الكهنة عند 407 آلاف، بينما شهد سلك الشمامسة نمواً ليصل إلى 51,400 شماس.

خاتمة: حوار الأروقة ومستقبل الشراكة

إن زيارة سارة مولالي للفاتيكان ليست مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل هي تجسيد لحوار صامت بين زمنين ورؤيتين. فبينما تمضي الأنجليكانية في دمج المرأة في صلب الطقس الروحي، تختار الكاثوليكية تمكينها في عصب الإدارة والقرار. وفي نهاية المطاف، يبقى دور المرأة في الكنيسة شاهداً على قدرة المؤسسات الدينية الكبرى على مراجعة أدواتها، مع الحفاظ على جواهر معتقداتها، في عالم لا يتوقف عن التساؤل والتحول.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *