سكون المألوف أم وثوب المجهول: تأملات في فقه التغيير واغتنام الفرص
إنّ في طوايا هذا الكون الفسيح أسراراً مكنونة، وعوالم محجوبة عن مدارك الأبصار، تثير في النفس البشرية رهبةً جبلية من كل ما هو غائب عن حيز الإدراك. فالمجهول، بطبعه، يكتنفه الغموض حتى ينجلي بنور العلم فيغدو ظاهراً بيّناً. وإنّ العوالم التي استترت عن عيوننا لَكثيرة؛ فمنها ما نأى في أقاصي الفضاء كالمجرات السابحة في ملكوت الله سبحانه وتعالى، ومنها ما دقّ ولطف حتى غاب عن العيان كعالم الميكروبات والدقائق، ومنها ما حُجب عنا بطبيعة تكوينه الغيبي كعالم الملائكة والجن.
بيد أن وقفتنا اليوم ليست في محراب الغيبيات الكونية، بل هي سياحة فكرية في فقه التغيير، والموازنة بين ركون النفس إلى المألوف الساكن، ورهبتها من المجهول الواعد في شؤون حياتنا ومعاشنا.
فلسفة الركون إلى المألوف وسيكولوجية الأمان
تنزع النفس البشرية، في جبلّتها، إلى اختيار ما ألفته وخبرت مسالكه، فإذا ما وُضع المرء بين خيارين: أحدهما معلوم العواقب والآخر مجهول المآل، فإنه يهرع تلقائياً إلى المألوف، التماساً لسكينةٍ متوهمة وأمانٍ زائف. هذا النزوع هو ما عبّرت عنه الأمثال الشعبية بلسان حال العجز: "خليك على مجنونك، لا يجيك اللي أجن منه!"؛ وهو منطقٌ يقدس الاستقرار وإن كان على نقص، ويخشى التغيير وإن كان فيه رفعة.
أما أولو النهى وأصحاب التجارب العميقة، فيبصرون في هذا الركون حرماناً للذات من لذة الكشف، ومصادرةً لحق النفس في ارتياد آفاق التجريب. فالمجهول، وإن كان يلفّه الغموض، إلا أنه يحمل في أحشائه فرصاً سانحة، وخبراتٍ متراكمة لا تُنال بالقعود في حظيرة الروتين اليومي المعتاد.
مخاطر الجمود المهني وضريبة الأمان الزائف
حين يستبد الخوف من المجهول بقلب المرء، فإنه يغلق على نفسه أبواباً من الخير والتمكين. ولعلّ في واقعنا المهني خير شاهدٍ على ذلك؛ فكم من امرئٍ يشغل وظيفةً حققت له قنوعاً ظاهرياً، فبات يؤدي مهامها بآليةٍ مفرطة، بعيداً عن كبد المشقة أو وخز الخطأ. فإذا ما لاح في الأفق عرضٌ وظيفي مغرٍ، يلامس شغفه وتخصصه، لكنه يشترط روحاً وثابة وجهداً استثنائياً لتطوير الذات، ههنا يظهر معدن العزيمة.
إنّ إيثار المألوف في هذه اللحظة ليس إلا لوذاً بالجمود المهني، وتدثراً بدثار الروتين، بدعوى الحفاظ على المكتسبات. والحقيقة المرة أن هذا المسلك يفضي بصاحبه إلى مؤخرة الركب، حيث لا مكان للواقفين في عالمٍ لا يكف عن الدوران، وقد يجد نفسه أول من تذروه رياح التطوير حين تعصف بالمؤسسات الجامدة.
وثوب المجهول: بوابة الإبداع والتمكين
أما النفوس التوّاقة للتجديد، التي تستشرف المجهول بعين اليقين، فإنها تتلقف الفرص من بوابة التغيير، عابرةً نحو آفاق التطوير المهني والإيماني. إنّ هذا الاختيار يوقد في الروح شعلة التحدي، ويستنهض طاقات الإبداع الكامنة، عملاً بمبدأ السعي الذي حث عليه الشرع الحنيف، حيث قال الله تبارك وتعالى: "وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ" (النجم: 39).
دروس مستفادة في فقه التعامل مع المجهول:
- التوكل لا التواكل: اليقين بأنّ الرزق بيد الله عز وجل، وأنّ السعي في الأرض مأمورٌ به شرعاً.
- كسر قيد الروتين: إدراك أنّ المألوف قد يكون سِجناً يمنع المرء من بلوغ كمالاته البشرية والمهنية.
- استحضار النية: جعل التطوير وسيلةً لعمارة الأرض والاستخلاف فيها بما يرضي الله سبحانه وتعالى.
- الشجاعة المدروسة: التمييز بين المغامرة الطائشة وبين الإقدام المبني على استخارة الخالق واستشارة الخلق.
خاتمة
خلاصة القول، إنّ المجهول ليس عدواً يُخشى، بل هو ميدانٌ يُرجى، والمؤمن الحق هو من يجمع بين السكينة في قدر الله عز وجل، والوثوب نحو معالي الأمور. فاجعل من رهبة المجهول وقوداً للاستعداد، ومن سكون المألوف منصةً للانطلاق، لا مرقداً للاستكانة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح لنا أبواب فضله، وأن يلهمنا رشاد الأمر، ويجعل سعينا في مرضاته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



اترك تعليقاً