سماحة الشريعة ومقصد الوفاء: إبطال مسلك استدعاء المشقة في العبادة

سماحة الشريعة ومقصد الوفاء: إبطال مسلك استدعاء المشقة في العبادة

سماحة الشريعة ومقصد الوفاء: إبطال مسلك استدعاء المشقة في العبادة

إنَّ الشريعةَ الغراءَ ما جاءت إلا لتحقيقِ مصالحِ العبادِ في المعاشِ والمعادِ، وهي مبنيةٌ في أصولِها وفروعِها على اليسرِ ورفعِ الحرجِ. إلا أنَّ بعضَ النفوسِ، توقاً لزيادةِ القربةِ، قد تزلُّ بها الأقدامُ نحو استدعاء المشقة في العبادة ظناً منها أنَّ عظمَ الأجرِ مرتبطٌ بمجردِ العناءِ البدنيِّ، غافلةً عن أنَّ القصدَ الشرعيَّ يأنفُ من تعذيبِ النفسِ بغيرِ طائلٍ.

هدي النبوة في تصحيح مسالك التعبد

تتجلى لنا رعايةُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لسلامةِ القصدِ التعبديِّ في مواقفَ عديدةٍ، حيثُ كانَ يَرُدُّ الغلوَّ إلى جادةِ القصدِ. فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينما النبيّ صلى الله عليه وسلم يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد، ولا يستظلّ ولا يتكلّم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروه فليتكلّم وليستظلّ وليقعد، وليتمّ صومه) [رواه البخاري].

في هذا التوجيهِ النبويِّ الحكيمِ، فصَّلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بينَ ما هو قربةٌ وما هو عناءٌ محضٌ؛ فأمرَهُ بإتمامِ الصومِ لكونِهِ طاعةً مشروعةً، ونهاهُ عنِ القيامِ في الشمسِ وتركِ الاستظلالِ والصمتِ؛ إذ لا قربةَ في هذهِ الأفعالِ بذاتِها. وهذا يتسقُ مع قولهِ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الذي روتْهُ عائشةُ رضي الله عنها: (‌من ‌نذر ‌أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) [متفق عليه].

وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخا يهادى بين ابنيه، قال: “ما بال هذا”. قالوا: نذر أن يمشي. قال: “إن الله عن ‌تعذيب ‌هذا نفسه لغني”. وأمره أن يركب [البخاري].

حقيقة النذر وموقف الشارع من إلزام النفس بالمشاق

قد يكونُ النذرُ سبيلاً يجلبهُ العبدُ على نفسهِ ليلزمَها بمشاقَّ لم يوجبْها اللهُ سبحانه وتعالى عليهِ ابتداءً. ورغمَ أنَّ المشقةَ قد تتبعُ الفعلَ الملتزمَ بهِ، إلا أنَّ الشريعةَ كرهتِ النذرَ لما فيهِ من تضييقٍ على النفسِ وإحراجٍ لها. وقد ثبتَ النهيُ عنِ النذرِ في حديثِ ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، قال: “إنه لا يرد شيئا، وإنما يستخرج به ‌من ‌البخيل” [متفق عليه].

وفي لفظٍ آخرَ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك ‌من ‌البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج [متفق عليه].

الدروس المستفادة من فقه النذر:

  • النذرُ لا يغيرُ من مقاديرِ اللهِ شيئاً، فلا ينبغي توهمُ نفعِهِ العاجلِ في دفعِ ضرٍّ أو جلبِ نفعٍ.
  • إلزامُ النفسِ بما يشقُّ عليها قد يؤدي للعجزِ، مما يستوجبُ الكفارةَ.
  • يقولُ الخطابيُّ في وجهِ الحديثِ: (وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجلب لهم في العاجل نفعاً، ولا يصرف عنهم ضراً، ولا يرد شيئاً قضاه الله. يقول فلا تنذروا على أنكم تدركون بالنذر شيئاً لم يقدره الله لكم أو تصرفون عن أنفسكم شيئاً جرى القضاء به عليكم، فإذا فعلتم فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم، هذا معنى الحديث ووجهه).

المشقة التابعة لا المقصودة: ميزان الأجر

إنَّ استدعاء المشقة في العبادة بقصدِ زيادةِ الأجرِ مسلكٌ غيرُ محمودٍ، بل هو مذمومٌ لمخالفتِهِ قصدَ الشارعِ باليسرِ. فالمطلوبُ هو الإخلاصُ والمتابعةُ للسنةِ، لا تطلبُ العناءِ. نعم، قد تصحبُ الطاعةَ مشقةٌ ذاتيةٌ لا تنفكُّ عنها، والصبرُ عليها مأجورٌ، كما في حديثِ أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “إسباغ الوضوء على ‌المكاره… الحديث” [مسلم].

والمقصودُ بالمكارهِ هنا هي الظروفُ الخارجةُ عن إرادةِ العبدِ كالبردِ الشديدِ أو ألمِ الجسمِ، وليسَ في ذلكَ دعوةٌ لتركِ الماءِ الدافئِ مع توفرهِ طلباً للبردِ، بل هو حثٌّ على إتمامِ العبادةِ رغمَ العوائقِ. فالإسباغُ هو الإكمالُ، كما في قولهِ عز وجل: ﴿وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ [لقمان: 20].

النهي عن استدعاء البلاء وتمني الضر

إذا كانَ استدعاءُ المشقةِ في العبادةِ مرذولاً، فإنَّ استدعاءَ البلاءِ أشدُّ نكراً؛ لأنهُ قصدٌ صريحٌ للإضرارِ بالنفسِ. ومن ذلكَ نهيُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن تمني لقاءِ العدوِّ، فعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: “أيها الناس، لا تمنوا ‌لقاء ‌العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف… الحديث” [متفق عليه].

وكذلكَ النهيُ عن تمني الموتِ لضرٍّ نزلَ بالعبدِ، كما في حديثِ أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يتمنين أحدكم الموت ‌لضر ‌نزل به، فإن كان لا بد متمنيا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي) [متفق عليه].

بل وصلَ الأمرُ إلى النهيِ عنِ الدعاءِ على النفسِ والمالِ والولدِ، لقولهِ صلى الله عليه وسلم في حديثِ جابر رضي الله عنه: “‌… لا ‌تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم” [مسلم].

تأصيلات أئمة التحقيق في نفي المشقة المقصودة

لقد قررَ العلماءُ أنَّ القصدَ إلى المشقةِ باطلٌ لأنهُ يخالفُ قصدَ الشارعِ. يقولُ الإمامُ الشاطبيُّ رحمه الله: (ليس للمكلف أنْ يقصد المشقة في التكليف نظرًا إلى عِظَم أجرها؛ فإن المقاصد معتبرة في التصرفات، فلا يصلح منها إلا ما وافق الشارع. فإذا كان قصد المكلَّف إيقاع المشقة؛ فقد خالف قصد الشارع من حيث إن الشارع لا يَقصد بالتكليف نفسَ المشقة، وكل قصدٍ يخالف قَصْدَ الشارع باطل، فالقصدُ إلى المشقة باطل، فهو إذن من قبيل ما يُنْهَى عنه، وما يُنْهَى عنه لا ثواب فيه… فطَلَبُ الأجر بقصد الدخول في المشقة قصدٌ مناقض).

ويؤكدُ شيخُ الإسلامِ ابن تيمية رحمه الله هذا المعنى بقولهِ: (ومما ينبغي أن يعرف أن الله ليس رضاه أو محبته في مجرد عذاب النفس وحملها على المشاق حتى يكون العمل كلما كان أشق كان أفضل كما يحسب كثير من الجهال أن ‌الأجر على قدر ‌المشقة في كل شيء، لا، ولكن ‌الأجر على قدر منفعة العمل ومصلحته وفائدته، وعلى قدر طاعة أمر الله ورسوله. فأي العملين كان أحسن وصاحبه أطوع وأتبع كان أفضل. فإن الأعمال لا تتفاضل بالكثرة. وإنما تتفاضل بما يحصل في القلوب حال العمل).

خاتمة القولِ، إنَّ العبادةَ الحقَّةَ هي التي تنبعُ من اتباعِ الهديِ النبويِّ بيسرِهِ وسماحتِهِ، لا بتكلفِ العناءِ واستجلابِ الشقاءِ. فاللهُ سبحانه وتعالى غنيٌّ عن تعذيبِنا لأنفسِنا، وإنما يريدُ منا قلوباً خاشعةً وأعمالاً صالحةً موافقةً لشرعهِ. فاللهمَّ فقهنا في دينِنا، واجعلْ عبادتَنا خالصةً لوجهِكَ الكريمِ، موافقةً لسنةِ نبيِّكَ المصطفى صلى الله عليه وسلم، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *