سيادة الوحي وهيمَنة القرآن الكريم على المناهج والأفكار البشرية

سيادة الوحي وهيمَنة القرآن الكريم على المناهج والأفكار البشرية

سيادة الوحي وهيمَنة القرآن الكريم على المناهج والأفكار البشرية

إن المتأمل في ملكوت التشريع وحركة الأمم يدرك يقيناً أن استقامة أحوال المجتمعات رهينةٌ بمدى اتساق مناهجها مع فطرتها وهويتها. ومن هنا تبرز قضية شمولية التشريع الإسلامي كضرورة حتمية لا ترفاً فكرياً؛ إذ إن المقارنة المنصفة بين النظم الوضعية والهدي القرآني تكشف بجلاء لماذا يجب على الأمة الإسلامية أن تعتصم بحبل الله وتشريعاته الربانية، بعيداً عن غثاء الأفكار المستوردة.

خصوصية الهوية واستقلال المناهج

تُبنى السياسات والمنظومات التعليمية في شتى بقاع الأرض على عقائد وتصورات قادة تلك الأمم، بما يخدم مصالحهم الوطنية وتوجهاتهم الإقليمية. ولأجل ذلك، نجد الدول تأبى استيراد النظم السياسية أو المناهج التعليمية أو الأعراف الاجتماعية من مجتمعات غريبة عنها؛ إذ ترى في ذلك تهديداً مباشراً لجوهر هويتها، وتقويضاً لاستقلالها، واعتداءً على مفاخر تاريخها وحضارتها.

حتى تلك الدول التي ترفع شعار "الحياد" في التعليم، أو تتدثر بعباءة "العلمانية" -والتي هي في حقيقتها تنكرٌ للدين- نراها تستميت في رفض استيراد الأيديولوجيات الخارجية التي لا تتفق مع منطلقاتها.

إفلاس النظريات البشرية ووجوب الاستغناء بالوحي

أفمن الحق أن ترضى الأمة الإسلامية المجيدة -وهي صاحبة الإرث الحضاري الأثيل والتاريخ المشرق- بأن تكون مسرحاً لتجارب الشرق والغرب؟ وهل يليق بنا أن نستورد المنظومات السياسية والتربوية كما نستورد السلع الاستهلاكية، بلا فحصٍ ولا تمحيص ولا نقدٍ بصير؟

إن مفكري الغرب والشرق أنفسهم يعلنون اليوم إفلاسهم الأخلاقي والقيمي، ويقرون بانهيار منظوماتهم الأسرية والاجتماعية. فكيف يرتضي عاقلٌ الركون إلى تلك النظم المتهالكة؟ إن في ذلك خيانةً للأمة، وازدراءً لعقيدتها، وتنصلاً من هدي سلفها الصالح.

لقد منّ الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة بأعظم نعمة، وهي إنزال القرآن الكريم، فكيف نبتغي الهدى في أنظمة وضعية قاصرة؟ يقول الله عز وجل في محكم تنزيله:

"الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا" [المائدة: 3]

لقد أغنانا الله سبحانه وتعالى بهذا الكتاب العظيم عن كل منهج أو شريعة سواه، فهو الضمان الوحيد لصلاح العباد والبلاد. يقول سبحانه وتعالى:

"وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ" [النحل: 89]

ويقول عز وجل في معرض الاستنكار على من يبتغي غير الوحي حكماً:

"أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَىٰ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ" [العنكبوت: 51]

التحذير النبوي من التبعية والشتات

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً كل الحرص على استقلال الشخصية المسلمة وتفردها بمرجعيتها الوحيانية. فقد روى الإمام أحمد، وابن أبي عاصم في السنة، والدارمي، عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى الله عليه وسلم فغضب وقال:

"أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني"

وهذا تحذيرٌ نبوي شديد من الانزلاق في متاهات المناهج المتضاربة التي لا تستند إلى نور الوحي. وقد رسم لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق النجاة بوضوح؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً بيده ثم قال: "هذا سبيل الله مستقيماً"، وخط عن يمينه وشماله خطوطاً ثم قال: "هذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ:

"وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ" [الأنعام: 153]

دروس مستفادة في السيادة الفكرية

  • الاستقلال المنهجي: إن بناء المناهج التعليمية والسياسية يجب أن ينبثق من صلب العقيدة الإسلامية لضمان بقاء الأمة ونهضتها.
  • رفض التبعية: التبعية الفكرية للغرب أو الشرق هي نوع من الهزيمة النفسية التي لا تليق بأمة القرآن.
  • كفاية الوحي: القرآن الكريم والسنة النبوية يمتلكان الإجابات الشافية لكل معضلات العصر الأخلاقية والاجتماعية.
  • الحذر من الجاهلية المعاصرة: إن تطويع قيمنا لتناسب أهواء من لا يؤمنون بالوحي هو مخالفة صريحة للنصوص الشرعية الآمرة بترك سبل الجاهلية.

الخاتمة:
إن العودة إلى حياض الوحي، والاعتصام بنور القرآن الكريم، ليس مجرد خيار تاريخي، بل هو طوق النجاة الوحيد في عالم تتلاطم فيه أمواج الفتن والأيديولوجيات القاصرة. فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمسكون بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *