حين تتحدث الجدران ببرود السياسة
هل يمكن للمراسم الجوفاء أن تخفي برودة المشاعر بين الحلفاء؟ لقد كانت زيارة نتنياهو للبيت الأبيض الأخيرة أشبه بلقاء عابر في محطة قطار باردة، غابت عنها حرارة العناق ووهج الأضواء التي اعتادها «بيبي» في أروقة واشنطن. إن المشهد الذي ارتسمت معالمه في لقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب برئيس الوزراء الإسرائيلي لم يكن مجرد بروتوكول رسمي، بل كان رسالة سياسية مغلفة بالصمت، تشي بأن موازين القوى والتحالفات تمر بمرحلة إعادة صياغة جذرية.
بروتوكول الصمت: دلالات الغياب والمراسم المقتضبة
يرى المراقبون أن لغة الجسد وغياب المظاهر الاحتفالية كانت أبلغ من أي تصريح صحفي. فبينما كان نتنياهو في السابق يخطب ود الكونغرس وتُفتح له الأبواب على مصراعيها، جاءت هذه الزيارة متوارية خلف ستار جنازة السيناتور «ليندسي غراهام».
ويشير الخبراء، ومنهم الدكتور إبراهيم فريحات، إلى أن تراجع الزخم الإعلامي وقصر مدة اللقاء يعكسان انحداراً غير مسبوق في مستوى الحفاوة، ويمكن تلخيص مظاهر هذا الفتور في النقاط التالية:
- غياب المراسم التقليدية: لم نشهد السجاد الأحمر أو الاستقبالات الحافلة التي ميزت اللقاءات السابقة.
- الانحسار الإعلامي: تم احتواء الزيارة سياسياً وإعلامياً، وغابت التسريبات التي كانت تملأ الصحف.
- توقيت اضطراري: اللقاء لم يأتِ بدعوة رسمية احتفالية، بل استثماراً لوجود نتنياهو في واشنطن لغرض اجتماعي.
تصدعات في جدار الدعم: «واشنطن أولاً»
لم تعد السياسة الأمريكية تجاه تل أبيب صكاً على بياض، فقد بدأت النخب الجمهورية، وعلى رأسهم «جيه دي فانس» نائب الرئيس، في توجيه انتقادات علنية للحكومة الإسرائيلية. إن فلسفة ترمب القائمة على أن «قرارات واشنطن تُصنع في واشنطن» تضع حداً لسنوات من التماهي المطلق مع الرغبات الإسرائيلية.
الملفات الثلاثة الشائكة
تتمحور الخلافات الراهنة حول ثلاثة محاور رئيسية تهدد استقرار هذه العلاقة التاريخية:
- كلفة الانخراط العسكري: تزايد القلق الأمريكي من الانجرار إلى حروب إقليمية طويلة الأمد.
- صورة إسرائيل لدى الأجيال الصاعدة: تراجع شعبية إسرائيل في استطلاعات الرأي الأمريكية، وهو ما نبه إليه الدكتور محجوب الزويري كخطر استراتيجي بعيد المدى.
- استقلالية القرار الأمريكي: رغبة إدارة ترمب في إدارة ملفات المنطقة وفق رؤيتها الخاصة، بعيداً عن الضغوط الخارجية.
المقامرة النووية وشبح الحرب على إيران
رغم أجواء الفتور، يبقى الملف الإيراني هو الخيط الرفيع الذي يربط الطرفين. فقد نقلت التقارير، ولا سيما القناة 12 الإسرائيلية، أن نتنياهو لا يزال يلوح بخيار «الضربات الإضافية» ضد المنشآت النووية الإيرانية. هذا الإصرار الإسرائيلي يضع الإدارة الأمريكية أمام معضلة حقيقية: هل تدعم حليفاً يجرها نحو المجهول، أم تتمسك ببرودها السياسي لتحجيم المكاسب الشخصية لنتنياهو؟
إن الفجوة الزمنية بين لقاء فبراير الماضي واللقاء الحالي تعكس حجم التوتر الذي تراكم مع اندلاع الحرب. فبينما يصف نتنياهو اللقاء بـ «الممتاز»، تؤكد الحقائق على الأرض أننا أمام شراكة «قلقة» تحاول واشنطن فيها تقليص الزخم السياسي لرئيس الوزراء الإسرائيلي.
خاتمة: حين تنتهي صلاحية الرهانات القديمة
في ختام القول، تبدو زيارة نتنياهو للبيت الأبيض كمن يحاول استعادة دفء مدفأة انطفأ حطبها. إن التحولات في الرأي العام الأمريكي، وظهور جيل سياسي جديد في الحزب الجمهوري لا يرى في إسرائيل قدراً محتوماً، ينذر بأن التحالف التاريخي دخل نفق الاختبار الحقيقي. السياسة، كالبحر، لا تعرف الثبات، ومن يراهن على عواطف الماضي قد يغرق في أمواج المستقبل المتلاطمة. لقد غادر نتنياهو واشنطن بصورة تذكارية، لكنه ترك خلفه أسئلة وجودية حول مستقبل الدعم الذي لم يعد مضموناً كما كان.



اترك تعليقاً