زلزال الانشقاق: حين تفيض الروح بمرارة الاقتتال
هل يدرك المحاربُ اللحظة التي تنزلق فيها خيوط اللعبة من بين أصابعه، ليتحول المشهد من صراعٍ على سلطة إلى نفقٍ مظلم يهدد وحدة التراب؟ يقف القائد المنشق عن قوات الدعم السريع، علي عبد الله رزق الله، الشهير بلقب "السافنا"، شاهداً بليغاً على هذا المنعطف التاريخي الخطير. لم يكن انشقاقه مجرد حدثٍ عابر، بل كان زلزالاً عسكرياً تمثل في خروج 5,000 عنصر وضابط دفعة واحدة، في مشهدٍ يعكس حجم التصدع داخل البنية العسكرية التي كانت يوماً ما كتلة واحدة.
إن انشقاق السافنا، وهو الثاني من نوعه بعد انشقاق "النور القبة" في أبريل الماضي، يضعنا أمام حقيقة ديموغرافية وعسكرية قاسية؛ فالخلافات حول دمج القوات التي اندلعت شرارتها في أبريل 2023، أفضت اليوم إلى نزوح نحو 13 مليون إنسان، ومقتل عشرات الآلاف، في مأساة إنسانية تصفها التقارير الدولية بأنها من بين الأسوأ عالمياً.
كواليس نيروبي: اعترافات "حميدتي" في مهب الريح
في عتمة الكواليس السياسية بمدينة نيروبي الكينية، جرى لقاءٌ قبل شهرٍ من الآن، حمل في طياته الحقيقة المرة التي يخشى الكثيرون النطق بها. ينقل السافنا عن قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، اعترافاً صريحاً ومباشراً: "الحرب الحالية قد خرجت من يدي بالكامل".
هذا الاعتراف ليس مجرد زفرة يأس، بل هو تشخيصٌ لواقعٍ ميداني بات فيه القائد متنقلاً بين العواصم، بينما تشتعل الأرض تحت أقدام مقاتليه بعيداً عن توجيهه الفعلي. يصف السافنا الواقع الداخلي للدعم السريع بالآتي:
- تضخم مفرط: قوام عددي هائل تجاوز قدرة القيادة على الإحاطة بتفاصيله أو تركيبته الدقيقة.
- تعدد الرؤوس: رغم أن حميدتي يملك الكلمة النهائية نظرياً، إلا أن السيطرة الميدانية باتت مجزأة.
- غياب الضبط: القادة الميدانيون يتخذون قرارات القتل خارج نطاق القانون بشكل مستقل ومباشر.
المسؤولية والانتهاكات: ميزان العدالة لا يحابي أحداً
بصراحة الأديب الذي يضع النقاط على الحروف، يفرق السافنا بين مستويات المسؤولية داخل الدعم السريع. فبينما يظل حميدتي هو الرمز القيادي، يبرز اسم شقيقه، عبد الرحيم دقلو، كمسؤول أول ومباشر عن الانتهاكات التي شابت مسيرة هذه القوات.
وفيما يخص الملفات الشائكة مثل قضية القيادي "أبو لولو" المتهم بانتهاكات واسعة، يفجر السافنا مفاجأة بنفيه شائعات سجنه، مؤكداً أن يد العقاب لم تطله بعد. ومع ذلك، يقف السافنا بموقف الواثق من براءته، معلناً استعداده للمثول أمام أي محكمة محلية أو دولية، في دعوة صريحة لإرساء مبدأ المحاسبة الذي تفتقده ساحات الوغى.
رؤية للحل: هل ينجو السودان من فخ التقسيم؟
التقى السافنا برئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في محاولة لرسم خارطة طريق تنهي نزيف الدم. تتركز رؤية الحل في نقاط جوهرية:
- الاستقرار الميداني أولاً: لا يمكن بناء سلام على رمال متحركة من المعارك المستمرة.
- سيادة القرار الشعبي: الشعب السوداني هو المالك الوحيد لمستقبل البلاد وتفاصيل المفاوضات.
- نبذ التقسيم: التحذير من أن استمرار القتال هو الوقود الفعلي لمشاريع تمزيق السودان.
خاتمة: مآل السيوف إلى أغمادها
إن التاريخ يعلمنا أن لعلعة الرصاص، مهما علا ضجيجها، ستخفت في النهاية أمام صوت العقل والمنطق. إن شهادة السافنا ليست مجرد سردٍ لوقائع حربية، بل هي صرخة نذير بأن السودان يقف على حافة مفترق طرق. فإما العودة إلى طاولة السلام بقلوبٍ مخلصة، أو الاستمرار في تيهٍ لا يُبقي ولا يذر. وفي نهاية المطاف، سيبقى الوطن هو الباقي، وستذهب أوهام القوة جفاءً، ليبقى ما ينفع الناس في الأرض.



اترك تعليقاً