مقدمة: مشكاةُ النبوةِ وتتميمُ البناء
إنّ المتأمل في سِيَر الأوائل، يلحظُ أنَّ بعثةَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لم تكن مجردَ هدمٍ لكيانٍ قائم، بل كانت تنقيةً لمعدنٍ أصيل، وتهذيباً لسجايا كانت تكمنُ في نفوسِ العرب؛ تلك الأمة التي اختارها الله -سبحانه وتعالى- لتكونَ وعاءً لرسالته الخاتمة. فبرغم ما رانَ على الجاهلية من ضلالات، إلا أنّها اختزنت في طياتها أخلاق الجاهلية الرفيعة التي كانت تؤهلهم لحمل النور الإلهي إلى العالمين. وقد لخص المصطفى -صلى الله عليه وسلم- غاية بعثته بكلماتٍ جامعةٍ مانعةٍ حين قال: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» [1]. فلم يأتِ الإسلامُ ليجتثَّ كلَّ قديم، بل جاء ليتممَ البناء، ويُقوّمَ المعوجَّ، ويُعليَ من شأنِ الفضيلة، وهو ما تجلّى بوضوحٍ في أحداثِ الهجرةِ النبويةِ المباركة.
نبلُ النخوةِ في حصارِ الشِّعب
لقد بلغت القسوةُ بقرشٍ مداها حين حاصرت المسلمين ومعهم بنو هاشم وبنو المطلب في شعبِ أبي طالب، فاجتمعَ عليهم الجوعُ والضيقُ في مشهدٍ تفتتت له الأكباد. ولكن، في وسطِ هذا الظلامِ الدامس، انبلجَ فجرُ المروءةِ من رجالٍ لم يسلموا بعد، لكنّهم لم يطيقوا رؤيةَ الظلمِ ينهشُ في أرحامهم.
بعد ثلاثِ سنواتٍ من الحصارِ الجائر، استيقظت ضمائرُ رجالٍ عزَّ عليهم أن ينعموا بالطعامِ واللباسِ وأقاربهم يصارعون الموت. كان هشام بن عمرو بن ربيعة هو الشرارةَ الأولى، فكان يخرقُ الحصارَ سراً، ثم سعى لتكوينِ رأيٍ عامٍ يكسرُ طوقَ الظلم. فذهب إلى زهير بن أبي أمية وقال له معاتباً: «يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت؟».
وتحركت العصبةُ الخمسة: (هشام بن عمرو، وزهير بن أبي أمية، والمطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود)، واتفقوا على نقضِ الصحيفةِ الظالمة. وفي مشهدٍ مهيبٍ عند الكعبة، صدحَ زهيرٌ بالحق، وحين حاول أبو جهلٍ الصدَّ، واجهه الرجالُ بكلمةٍ واحدة.
- الدروس المستفادة من نقض الصحيفة:
- المروءةُ تتجاوزُ حدودَ المعتقدِ في مواجهةِ الظلم.
- قوةُ الرأيِ العامِ حين تجتمعُ على الحقِ تكسرُ شوكةَ الطغيان.
- نصرةُ المظلومِ شيمةٌ عربيةٌ أصيلةٌ أقرّها الإسلام.
رعايةُ الرَّحمِ في غمرةِ الخصومة
تتجلى أخلاق الجاهلية في أبهى صورِ الإنصافِ حين نرى خصماً يرفضُ استئصالَ خصمهِ رعايةً لحقِ القرابة. ففي هجرةِ الحبشة، حين حاول عمرو بن العاص -قبل إسلامه- أن يُحرّضَ النجاشيَّ على المسلمين بقوله: «وَاللهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ، فَلَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ».
هنا برزَ خلقُ الرحمةِ والإنصافِ من رفيقه عبد الله بن أبي ربيعة الذي قال له: «لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا خَالَفُونَا فَإِنَّ لَهُمْ رَحِمًا وَلَهُمْ حَقٌّ» [3]. إنها رصانةُ العقلِ التي تأبى الفجورَ في الخصومةِ وتستبقي للودِ بقية.
صيانةُ الحرماتِ وهيبةُ البيوت
حتى في أحلكِ لحظاتِ الصراع، حين تآمرت قريشٌ على قتلِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في فراشه، لم تسمح لهم أخلاقهم بانتهاكِ حرمةِ البيوت. يذكرُ أهلُ التفسيرِ أنهم أبوا اقتحامَ الدارِ صيانةً لسترِ النساء، وقالوا: «وَاَللهِ إنّهَا لَلسّبّةُ فِي الْعَرَبِ أَنْ يُتَحَدّثَ عَنّا أَنّا تَسَوّرْنَا الْحِيطَانَ عَلَى بَنَاتِ الْعَمّ وَهَتَكْنَا سِتْرَ حُرْمَتِنَا» [4]. لقد كان للعداوةِ عندهم حدودٌ تقفُ عندها، وللبيوتِ قدسيةٌ لا تُنتهك.
عفةُ الفرسانِ ونجدةُ الملهوف: موقفُ عثمان بن طلحة
وفي قصةِ هجرةِ أمِّ سلمة -رضي الله عنها-، نجدُ نموذجاً فريداً للشهامةِ العربيةِ في شخصِ عثمان بن طلحة. حين وجدها وحيدةً في طريقها للمدينة، لم يتركها فريسةً للفلاة، بل قادَ بها بعيرها أياماً ولياليَ في غايةِ العفةِ والنزاهة. تصفه أم سلمة بقولها: «مَا صَحِبْت رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطّ، أَرَى أَنّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ». لقد كان يتنحى عنها إذا نزلت، ويستأخرُ عنها إذا ركبت، في سموٍ أخلاقيٍّ قلَّ نظيره، وهو يومئذٍ على غيرِ دينها.
الأمانةُ المهنيةُ والوفاءُ بالعهد
ولم يغبْ الوفاءُ عن عبد الله بن أريقط، الدليلِ الماهرِ الذي استأجره النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكرٍ الصديق -رضي الله عنه-، وهو على دينِ قريش. لقد اؤتمنَ على أعظمِ سرٍّ في التاريخ، وعلى أرواحِ خيرِ الخلق، فلم يغرهُ ثمنُ الديةِ ولا إغراءاتُ قريش، بل وفى بعهدهِ وأدى أمانتهُ بمنتهى الإتقانِ والسرية.
خاتمة: إنصافُ الإسلامِ ونداءُ الأخلاق
إنَّ تسجيلَ هذه المواقفِ لمشركي العرب ليس مجردَ سردٍ تاريخي، بل هو تجسيدٌ للمبدأِ القرآنيِّ العظيمِ في الإنصافِ والعدل، حيث يقول الله -عز وجل-: ﴿وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
فإذا كانت هذه شيمُ أهلِ الجاهليةِ في تعاملهم مع خصومهم، فما أجدرَ المسلمين اليومَ أن يستعيدوا تلك القيمَ التي هذبها الإسلامُ ورفعَ منارها. لعلَّ في هذه الذكرياتِ ما يوقظُ في النفوسِ كرامتها، ويُعيدُ للتعاملِ الإنسانيِّ بهاءهُ، ليكونَ المسلمُ مرآةً لجمالِ دينهِ وعظمةِ أخلاقهِ مع القريبِ والبعيد، والوليِّ والعدو. اللهم اهدنا لأحسنِ الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت.



اترك تعليقاً