صلاح صرصور.. مأساة ناشط فلسطيني تطارده “عدالة” المحاكم العسكرية في قلب أمريكا

صلاح صرصور.. مأساة ناشط فلسطيني تطارده “عدالة” المحاكم العسكرية في قلب أمريكا

صلاح صرصور.. مأساة ناشط فلسطيني تطارده "عدالة" المحاكم العسكرية في قلب أمريكا

هل يمكن لظل الماضي أن يمتد لثلاثة عقود عابراً المحيطات ليخنق حاضراً مستقراً؟ قصة صلاح صرصور ليست حكاية مهاجر عادية، بل هي تجسيد حي للمفارقة حين تصبح الذاكرة الفلسطينية المثقلة بالجراح مادةً للملاحقة القانونية في بلاد الحرية.

جذور الحكاية: من أزقة الضفة إلى ضواحي ميلووكي

وُلد صلاح صرصور ونشأ في الضفة الغربية المحتلة، حيث تشكلت هويته تحت وطأة الاحتلال. في عام 1993، شد الرحال نحو الولايات المتحدة بحثاً عن أفق جديد، حاملاً معه آماله كـ "مقيم مشروط" قبل أن يستقر به المقام حاصلاً على الإقامة الدائمة عام 1998.

على مدار ثلاثين عاماً، لم يكن صرصور مجرد رقم في سجلات الهجرة، بل صار ركيزة مجتمعية صلبة:

  • العمل المؤسسي: ترأس الجمعية الإسلامية في ميلووكي، وهي كبرى المنظمات الإسلامية في ولاية ويسكونسن.
  • الدفاع عن الحقوق: انضم لعضوية مجلس إدارة منظمة "مسلمون أمريكيون من أجل فلسطين" (AMP).
  • الإرث العائلي: أسس عائلة ممتدة تضم 6 أبناء و10 أحفاد، مغرساً جذوره في التربة الأمريكية.

الاعتقال المفاجئ: حين تستيقظ قوانين الحرب الباردة

في الثلاثين من مارس 2026، انقلبت حياة صرصور رأساً على عقب. اعتقلته إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) في عملية مشتركة مع جهاز المارشالات. لم تكن التهمة جريمة ارتكبها على الأراضي الأمريكية، بل استدعاءً لملفات عتيقة من حقبة الانتفاضة الأولى عام 1987.

استندت السلطات في مساعيها لترحيله إلى "قانون الهجرة والجنسية"، وهو تشريع يعود إلى حقبة الحرب الباردة. هذا القانون يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لترحيل غير المواطنين إذا اعتبرت وجودهم يهدد السياسة الخارجية.

معاناة خلف القضبان

قضى صرصور 80 يوماً في مركز احتجاز بمقاطعة كلاي في ولاية إنديانا، حيث واجه ظروفاً قاسية:

  1. الإهمال الصحي: يعاني صرصور من مرض السكري (النوع الثاني)، وهو اضطراب استقلابي يتطلب انضباطاً صارماً في الغذاء والدواء، وهو ما افتقده في محبسه.
  2. البيئة النفسية: وصف مكان احتجازه بالبيئة القذرة التي تفتقر لأبسط الحقوق الدينية، معتبراً أن هذه التجربة أعادت إليه مرارة اعتقاله طفلاً في سجون الاحتلال.

ملفات قديمة واعترافات تحت الإكراه

تتمحور القضية حول سجلات المحاكم العسكرية الإسرائيلية التي تزعم إدانة صرصور في مراهقته بتهم تتعلق بإلقاء زجاجات حارقة. وهنا تكمن العقدة القانونية والأخلاقية؛ فصرصور يؤكد أن تلك الاعترافات انتُزعت منه وهو في الخامسة عشرة من عمره تحت وطأة التعذيب والتهديد بالاغتصاب، وأنه أُجبر على توقيع وثائق بلغة عبرية لا يتقنها.

يصف الخبراء القانونيون الاعتماد على أحكام المحاكم العسكرية الإسرائيلية بأنه "اعتداد مفرط" بسجلات دولة أجنبية، خاصة وأن تلك المحاكم تفتقر غالباً لمعايير المحاكمة العادلة الدولية. لقد كانت الإدارة الأمريكية على علم بهذه السجلات منذ عقود، لكن استحضارها الآن يثير تساؤلات جوهرية حول الدوافع السياسية.

معركة قانونية في مهب السياسة

في الأول من أكتوبر 2026، أصدر قاضي محكمة الهجرة في شيكاغو، جايمي ساليناردي، حكماً يقضي بإمكانية ترحيل صلاح صرصور. ورغم رفض القاضي لادعاءات الحكومة بأن صرصور قدم معلومات كاذبة عند حصوله على البطاقة الخضراء، إلا أنه أيد الحجة القائلة بأنه يشكل "تهديداً للسياسة الخارجية".

يرى صرصور ومحاموه أن هذا الاستهداف ليس قانونياً بحتاً، بل هو ضريبة لمواقفه العلنية المعارضة للحرب على غزة والمساعدات العسكرية لإسرائيل. إنها محاولة لإسكات صوت قيادي في الجالية المسلمة برز في انتقاد السياسات الخارجية الأمريكية.

خاتمة: العدالة بين النص والروح

إن قضية صلاح صرصور تضع القضاء الأمريكي أمام مرآة مبادئه؛ فهل تُبنى قرارات المصير على اعترافات انتُزعت من طفل تحت التعذيب قبل عقود؟ إن العدالة التي تتجاهل الحقائق الإنسانية وتختبئ خلف نصوص قوانين عتيقة هي عدالة عرجاء. يبقى صرصور متمسكاً بحقه في البقاء بين أهله، مؤكداً أن الدفاع عن فلسطين والعدالة ليس جريمة تستوجب النفي، بل هو واجب أخلاقاً تستوجب التقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *