حين تهتز الأرض في الشرق وتتصدع الجدران في أفريقيا
هل يدرك القروي الكادح في أدغال القارة السمراء أن شرارة صراع تندلع في مضيق هرمز قد تطفئ مصباح بيته المتواضع؟ إنها حقيقة "الانكشاف البنيوي"؛ ذلك المصطلح الذي يصف جسداً اقتصادياً نحيلاً يرتجف كلما هبت رياح الأزمات العالمية. إن الحرب على إيران، بمحوريها الأمريكي والإسرائيلي، تمثل زلزالاً سياسياً لم تقف ارتداداته عند حدود الإقليم، بل عبرت البحار لتضرب العمق الأفريقي في مقتل، محولةً آمال التنمية إلى خطط تقشفية قسرية.
تؤكد دراسة حديثة صدرت عن "مركز الزيتونة للدراسات" للباحث محمود عبده سالم، بعنوان "آثار الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على قارة أفريقيا"، أن القارة تجد نفسها اليوم في مواجهة عاصفة كاملة، حيث تتشابك خيوط الطاقة، والسياسة، والأمن في نسيج واحد معقد.
شظايا الطاقة ولهيب الأسعار
لقد كان اضطراب أسواق الطاقة هو السهم الأول الذي أصاب قلب الاقتصاد الأفريقي. فالحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي إعادة صياغة قهرية لخرائط التبادل التجاري. وقد تجلى هذا التأثير في واقع اقتصادي مزدوج، يشبه في قسوته حد السيف:
- الدول المستوردة للطاقة (الأغلبية): واجهت طوفاناً من ارتفاع التكاليف؛ فكل دولار يضاف إلى سعر برميل النفط يترجم فوراً إلى زيادة في تكاليف النقل، وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية، وتضخم يلتهم القوة الشرائية للعملات المحلية التي تهاوت أمام سطوة الدولار.
- الدول المصدرة للطاقة: رغم جنيها لثمار مؤقتة من زيادة الإيرادات، إلا أنها ظلت أسيرة لتقلبات السوق العنيفة، مما جعل مكاسبها عرضة للتبخر أمام تكاليف الاستيراد المرتفعة للسلع الأخرى.
هذا المشهد يذكرنا بـ "حمى الأسعار" التي لا ترحم، حيث تصبح لقمة العيش رهينة لممرات مائية بعيدة، مثل مضيق باب المندب والبحر الأحمر، التي تحولت إلى ساحات توتر عطلت سلاسل التوريد، وأجبرت السفن على سلوك مسارات أطول وأكثر كلفة، كمن يقطع فيافي الصحراء هرباً من قطاع الطرق.
خارطة الولاءات.. الرقص فوق حبال المصالح
لم تكن مواقف الدول الأفريقية من الحرب على إيران وليدة الصدفة، بل هي نتاج هندسة سياسية دقيقة تراعي توازنات القوى. فالقارة اليوم مسرح لتدافع دولي محموم:
- المحور الغربي والإسرائيلي: تسعى الولايات المتحدة لتعزيز قبضتها عبر مبادئ الشراكة الاقتصادية، بينما تتغلغل إسرائيل في مفاصل القارة من خلال بوابات التعاون التقني والتنموي.
- الحضور الإيراني: تحاول طهران الحفاظ على موطئ قدم لها عبر شبكة من العلاقات الدبلوماسية والعسكرية، ساعية لكسر طوق العزلة الدولية المفروض عليها.
- الخبرة المريرة: استحضرت الدول الأفريقية مآسي الحرب الروسية الأوكرانية، مما دفعها لتبني سياسة "الحذر الاستراتيجي"؛ فهي لا تريد الانحياز لطرف يوردها موارد الهلاك الاقتصادي.
سيناريوهات الغد: بين البقاء والانهيار
تضعنا الدراسة أمام مسارين لا ثالث لهما، وكلاهما يحمل في طياته تحديات جسيمة للقارة:
السيناريو الأول: استمرار النزيف
وهو بقاء حالة الحرب والتوتر، مما يعني استنزافاً مستمراً للاقتصادات الأفريقية، وتصاعداً في الضغوط الأمنية، واحتمالية انتقال الصراع إلى الداخل الأفريقي عبر وكلاء أو جماعات ترتبط بشبكات إقليمية.
السيناريو الثاني: توقف المدافع
وهنا يبرز سؤال الوجود: هل يبقى النظام الإيراني أم يسقط؟ ترجح الدراسة بقاء النظام نتيجة غياب التوافق الدولي، مما سيعزز حضوره الإقليمي والأفريقي لاحقاً. أما في حال السقوط -وهو الاحتمال الأضعف- فستعاد صياغة موازين القوى لصالح القوى الدولية الأخرى، مما يفتح فصلاً جديداً من التنافس على الموارد الأفريقية.
خاتمة: من التبعية إلى التمكين
إن الأزمة التي خلفتها الحرب على إيران في أفريقيا ليست مجرد وعكة عابرة، بل هي كاشف مخبري أثبت هشاشة النموذج الاقتصادي القائم على التبعية للخارج. إن الحكمة تقتضي ألا تكتفي القارة بامتصاص الصدمات، بل عليها إعادة صياغة ذاتها؛ فالاعتماد على الإنتاج المحلي، وتعزيز التكامل الإقليمي، وتقليل الارتهان لتقلبات الطاقة العالمية، هي الدروع الوحيدة التي ستحمي أفريقيا في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء ومن ملكوا قوت يومهم بأيديهم.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً