هل يقف اليمن اليوم على شفا بركان خامد يوشك أن ينفجر، أم أن في الأفق بصيصاً من أمل يطفئ لظى النزاع؟
تساؤل يفرض نفسه بقوة وسط أمواج متلاطمة من التحولات السياسية والعسكرية، حيث أطلت وزيرة الخارجية اليمنية المكلفة، أفراح الزوبة، بحديث يحمل في طياته صرامة الدولة وتوقها للسلام في آن واحد. إن الأزمة اليمنية، التي طال أمدها، تمر اليوم بمنعطف حاسم يتطلب بصيرة نافذة تدرك أن الصبر له حدود، وأن الحكمة اليمانية التي تنشد السلم لا تعني العجز عن خوض غمار الدفاع عن السيادة.
استراتيجية الحافة: بين خيار السلم وقرع الطبول
أكدت الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أنها لا تزال تمسك بغصن الزيتون، ساعية إلى حل سلمي ينهي معاناة الشعب، إلا أنها في الوقت ذاته شحذت نصل الاستعداد لأي تصعيد قد تفرضه جماعة أنصار الله (الحوثيون). وفي إيجاز صحفي من الرياض، أوضحت الوزيرة الزوبة معالم المشهد الراهن:
- غياب الحوار المباشر: لا توجد قنوات اتصال مباشرة مع الجماعة، بينما تظل سلطنة عمان هي الجسر الذي تمر عبره جهود الوساطة.
- الاستعداد للمواجهة: تصريح الوزيرة كان قاطعاً: "في نهاية المطاف، نحن مستعدون لأي تصعيد"، مشيرة إلى أن الصراع يجب أن يوضع له حد، إما بسلام عادل أو بـ "الطريقة الأخرى".
مضيق باب المندب: استنساخ النموذج الإيراني والمخاطر الجيوسياسية
حذرت الوزيرة من مخطط استراتيجي يهدف إلى تحويل مضيق باب المندب -هذا الشريان المائي الذي يضخ الحياة في اقتصاد العالم- إلى نسخة مكررة من مضيق هرمز. إنها محاولة لفرض "كماشة جيوسياسية" تطبق فكيها على بوابتي الخليج والبحر الأحمر.
هذا التوجه، كما وصفته الزوبة، نابع من "جرأة" اكتسبتها الجماعة نتيجة غياب رد فعل دولي حازم تجاه الهجمات التي تستهدف الملاحة التجارية. إن التوافق التام بين تحركات الحوثيين والتصعيد الإيراني في المنطقة يحول الممرات المائية من طرق للتجارة إلى ساحات للابتزاز السياسي والعسكري.
واقع الميدان: لغة الرصاص وتأمين شريان الحياة
على الأرض، لا يزال المشهد العسكري يتسم بـ "الجمود المتفجر". فرغم غياب العمليات الهجومية الواسعة، إلا أن خطوط المواجهة الممتدة من شمال غربي البلاد وصولاً إلى الحدود السعودية تشهد تبادلاً مستمراً لإطلاق النار.
وتبرز هنا أرقام ومعطيات ميدانية تعكس حجم التوتر:
- تأمين الصادرات: تجري استعدادات أمنية مكثفة لحماية منشآت النفط اليمنية، التي تعد العمود الفقري للاقتصاد المتهالك.
- الجسر الجوي المشبوه: السعي الحوثي لتسيير رحلات مباشرة من إيران يُنظر إليه كغطاء لسد النقص في العتاد والكوادر والأموال.
- التصعيد الأخير: شهدت الأيام الماضية هجمات بطائرات مسيرة استهدفت نقاطاً حساسة لنقل النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع.
- الخسائر البشرية: أقر الحوثيون بسقوط 9 من عناصرهم فيما وصفوه بـ "المعركة الفاصلة".
الخاتمة: اليمن بين فكي التاريخ والجغرافيا
إن الأزمة اليمنية ليست مجرد نزاع محلي على خارطة الشرق الأوسط، بل هي اختبار حقيقي لإرادة المجتمع الدولي في حماية القانون الدولي وحرية الملاحة. إن الحكمة تقتضي إدراك أن السلام لا يُصنع من طرف واحد، وأن استقرار اليمن هو حجر الزاوية لاستقرار المنطقة بأسرها. سيبقى اليمن، رغم الجراح، عصياً على الانكسار، باحثاً عن فجر جديد ينهي حقبة الرماد ويعيد لـ "العربية السعيدة" وجهها المشرق.



اترك تعليقاً