مقدمة: في رحاب السكينة الربانية
إن المتأمل في نصوص الوحيين يدرك أن الله عز وجل قد ادخر لعباده المتقين في جنات النعيم جزاءً يربو على الملاذ الحسية من قصور دانية وثمار يانعة؛ إذ ثمة عطاء أسمى غايةً وأعمق أثراً، يتجلى في تلك الطمأنينة المطلقة والأمن الداخلي الذي يغمر الأرواح. وإن هذا الصفاء النفسي الذي ينشده الخلق إنما هو ثمرة يانعة لمبدأ سلامة اللسان والترفع عن سفساف القول، فبقدر صيانة المرء لمنطقه في الدنيا، يكون حظه من السكينة في الدارين.
حصائد الألسنة ومآلات الغفلة
لقد جعل الشارع الحكيم حفظ المنطق معياراً لاستقامة الدين وفلاح العبد، فالبعد عن أجواء اللغو والثرثرة وموبقات اللسان ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو وقاية من مهالك عظمى. ولنا في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أسوة وعبرة، حين استعظم أثر الكلمة، فجاءه التوجيه النبوي القاطع حين أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه قائلاً له:
(كُفّ عليك هذا. فقلت: يا نبي الله، وإنّا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يُكَبُّ الناس في النار على وجوههم، أو على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم؟) [أخرجه الترمذي وابن ماجه].
ضجيج العصر وشتات القلوب
في عصرنا الراهن، ومع اتساع فضاءات التواصل الاجتماعي، غدا الناس في صخب دائم، حيث تتقاذفهم أمواج القيل والقال. فترى المرء ينشغل بما قيل وما يقال، فتضطرب نفسه وتتشتت طمأنينته، ويقضي الليالي ذهنياً في معارك لرد الصاع صاعين. إن هذا الانغماس في الثرثرة والسخرية والهمز واللمز هو المورد العذب للقلق والتوتر، وهو الذي يدفع الكثيرين للهروب نحو العزلة أو السفر سعياً لترميم ما أفسده ضجيج الألسنة وإعادة ضبط قلوبهم وألبابهم.
هدي السلف في لزوم الصمت
لقد فقه سلفنا الصالح رضي الله عنهم أن كثرة الكلام مظنة الخطأ، فاستعصموا بالصمت إلا في حق، وكانوا أشد حذراً من فضول القول. وفي هذا السياق، يرسم لنا الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه منهجاً جلياً بقوله:
(من كثُر كلامه كثر لغطه، ومن كثر لغطه كثر غلطه، ومن كثر غلطه قل ورعه، ومن قل ورعه قل دينه [رواه البيهقي في شعب الإيمان]).
فأي رزية أعظم على المرء من نقصان دينه بسبب فلتات لسانه؟
السكينة الربانية في دار السلام
من عظيم فضل الله عز وجل على المتقين أن طهر أسماعهم في الجنة كما طهروا ألسنتهم في الدنيا، فكان إبعادهم عن اللغو والفحش والخصومة من أجلّ العطايا. إن الحماية الربانية لآذان أهل الجنة من كدر الكلام هي مكافأة توازي في قدرها لذات النعيم المادي، تصديقاً لقوله سبحانه وتعالى:
(لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا) [سورة النبأ: 35-36].
دروس مستفادة في ضبط اللسان:
- حفظ الجوارح: إن استقامة القلب مرهونة باستقامة اللسان، والصمت حكمة وقليل فاعله.
- السمو النفسي: البعد عن القيل والقال يورث راحة بال ويحفظ الوقت من الضياع في معارك وهمية.
- استشعار الرقابة: تذكر أن كل لفظ مسطور، وأن الحساب على الكلمة كالحساب على الفعل.
- الجزاء من جنس العمل: من صان سمعه ولسانه عن اللغو في الدنيا، أكرمه الله ببيئة طاهرة في الآخرة.
خاتمة
ختاماً، إن طريق السلام يبدأ بسلامة اللسان، وإن العاقل من جعل صمته فكراً ونطقه ذكراً. فاللهم طهر ألسنتنا من اللغو والكذب، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجعل مستقرنا في دار لا لغو فيها ولا تأثيم، إنك سميع مجيب الدعاء.



اترك تعليقاً