عبد الوهاب المسيري: سادن الحكمة والعقل الموسوعي في رحاب الفكر الإسلامي الإنساني

عبد الوهاب المسيري: سادن الحكمة والعقل الموسوعي في رحاب الفكر الإسلامي الإنساني

استهلال: العلم أمانة ومسؤولية

إن العلم في ميزان الإسلام ليس مجرد بضاعة تُزجى، أو وسيلة للتكسب والجاه، بل هو أمانة عظمى يحملها العالم على كاهله، يدور مع الحق حيث دار، ويبذل مهجته في سبيل نفع الأمة وإعلاء كلمتها. ومن هذا المنطلق الإيماني الرصين، يبرز اسم الدكتور عبد الوهاب المسيري كعقل عربي موسوعي، لم يرضَ بالجامعة قيداً وظيفياً، بل اتخذها منبراً لأداء الرسالة، حتى إذا تعارضت قيود الوظيفة مع سمو الغاية، استقال ليتفرغ لمشروعه المعرفي الأكبر، مقتفياً أثر الكبار الذين وهبوا حياتهم لخدمة قضايا أمتهم.

بين العقل المبدع والعقل الوظيفي

يضعنا المسيري أمام فارق جوهري بين نمطين من التفكير؛ عقلٌ وظيفي يختبئ خلف الأطر المؤسسية، فتتلاشى فيه الأسئلة الوجودية وتغيب عنه الهوية، ليصبح العلم لديه حرفةً لجمع الحطام والترقي في المناصب، وبين عقل مبدع يوظف المعرفة لخدمة الإنسانية والدفاع عن الحقوق، طلباً للحكمة التي هي ضالة المؤمن. إن العلم النافع هو الذي يورث خشية الله عز وجل ويصنع مستقبلاً أفضل للوطن، لا ذلك الذي يزيد الكمّ دون الكيف، ويراكم المعلومات دون بصيرة.

الرومانتيكية المسيرية: تجاوز المادية إلى رحاب الروح

لم يكن المسيري مفكراً طوباوياً مفارقاً للواقع، بل كان "رومانتيكياً إنسانياً" بالمعنى الذي يحتفي بقدرة الإنسان على تجاوز قهر المادة. هذه الرؤية هي التي جعلته يرفض الانحباس في الأطر المادية الضيقة، سواء حين كان ماركسياً يستلهم العدل، أو حين استقر على الأرضية الإسلامية الرحبة. لقد تميز عن أقرانه بكونه إسلامياً إنسانياً، يرى في الإنسان كائناً مكرماً من الله سبحانه وتعالى، لا مجرد مادة طبيعية صلبة تخضع لقوانين الفيزياء.

نقد الحداثة وتفكيك العلمانية الشاملة

لقد غاص المسيري في أعماق الفلسفة الغربية، مفرقاً بين "العلمانية الجزئية" التي قد تُقبل في حدود تنظيمية، وبين "العلمانية الشاملة" التي هي فصل للقيم الدينية والأخلاقية عن الحياة برمتها. إن هذه العلمانية الشاملة في نظره هي "نزعة تفكيكية" تجعل من المادة معياراً لكل شيء، مما يؤدي في النهاية إلى العدمية وإنكار المركز الإلهي والإنساني.

لقد طور المسيري مفهوم "الحلولية"، محذراً من ذوبان الفوارق بين الخالق والمخلوق في الفكر المادي، مما يحيل العالم إلى بعد واحد يفتقر إلى الثنائية والجدل والتدافع الذي هو سنة الله في خلقه.

القضية الفلسطينية والنموذج الانتفاضي

لم تكن كتابات المسيري عن فلسطين مجرد رصد معلوماتي، بل كانت رؤية معرفية عميقة. في كتابه "الانتفاضة: دراسة في الإدراك والكرامة"، قدم فلسطين كنموذج إنساني فريد للمقاومة النابعة من العقيدة والخصائص الحضارية. إن "النموذج الانتفاضي" عنده هو تحدٍ لحسابات القوة المادية وعقلية الهزيمة، وهو تأكيد على أن الإنسان المؤمن بقضيته قادر على قهر آلة البطش الاستعمارية.

الجماعات الوظيفية وتفكيك الصهيونية

من أبرز إسهاماته العلمية تطوير مفهوم "الجماعات الوظيفية"، وهي الجماعات التي تُستورد لتؤدي أدواراً محددة (أمنية أو اقتصادية) بعيداً عن الاندماج الإنساني الكامل. وقد طبق هذا المفهوم ببراعة على الكيان الصهيوني، معتبراً إياه كياناً وظيفياً في إطار النظام الرأسمالي العالمي، وهو ما يفسر طبيعة وجوده ودوره في المنطقة العربية بعيداً عن الأساطير الدينية المزعومة.

المسيري الإنسان: الأبوة الفكرية والقدوة

تتجلى عظمة المسيري في كونه لم ينعزل في برجه العاجي، بل كان أباً لتلامذته، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم. كان يكتب للأطفال قصصاً تغرس فيهم القيم الحضارية بأسلوب مبدع، مدركاً أن بناء الأمة يبدأ من تنشئة العقل الصغير على الحرية والكرامة. لقد كان يرى في نجاح تلميذ له فرحة لا تدانيها فرحة صدور كتاب جديد له، مجسداً بذلك أخلاق العلماء الربانيين في التواضع والبذل.

الخاتمة: حكمة باقية وأثر لا يزول

رحل الدكتور عبد الوهاب المسيري، وبقي فكره منارةً تضيء للسالكين دروب المعرفة والتحرر من أسر المادية الشرسة. لقد علمنا أن المثقف الحقيقي هو من يحمل هموم أمته بين جوانحه، وأن الحكمة ثمرة التقوى والبحث الدؤوب. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأن يرفع درجاته في عليين، ويجعل علمه صدقة جارية ينتفع بها العباد إلى يوم الدين. آمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *