ليلٌ لا يبدأ بغروب الشمس
هل يمكن للظلام أن يكون صاخباً؟ في ليبيا، لم يعد الليل يبدأ برحيل الشمس، بل بلحظة انقطاع التيار التي تغرق أحياءً كاملة في صمتٍ مطبق، لا يكسره إلا طنين المولدات الخاصة. هذه المولدات أصبحت اليوم هي الفاصل الطبقي الجديد؛ فهي تمنح الضوء لمن يملك ثمن الوقود، وتترك الفقراء يواجهون نصل الحرارة بصدور عارية. إن أزمة الكهرباء في ليبيا لم تعد مجرد خلل فني في الأسلاك والتربينات، بل تحولت إلى قضية كرامة وطنية وفتيل يشعل الشوارع غضباً.
لهيب الصيف وشرارة الميادين
حين تجاوزت درجات الحرارة عتبة الـ 48 درجة مئوية، لم يعد المواطن الليبي قادراً على الصبر الجميل. خرج سكان طرابلس، وجنزور، وغريان، ومحلة الفتح في تظاهرات غاضبة، محولين الشوارع إلى منبر للمساءلة. في زاوية الدهماني، أفرغت شاحنات الأتربة حمولتها أمام وزارة الخارجية، في رسالة رمزية تعبر عن ردم الوعود الحكومية بالواقع المرير، بينما دوى السؤال الوجودي في الأركان: "أين ذهبت المليارات؟".
أرقام تعكس عمق الأزمة
لفهم حجم التحدي الذي يواجه الشبكة الوطنية، يجب النظر إلى البيانات الصادمة التي تفسر هذا الانهيار:
- الفقدان المفاجئ: فقدت المنظومة نحو 1350 ميغاواط من قدرتها الإنتاجية في الانهيار الأخير.
- فجوة الطلب: ينمو الطلب السنوي على الطاقة بمعدل يتراوح بين 300 إلى 600 ميغاواط، وهو نمو يفوق سرعة المعالجات الجذرية.
- المشاريع المعطلة: محطتا سرت وغرب طرابلس البخاريتان، بقدرة تصميمية تصل إلى 1400 ميغاواط لكل منهما، لا تزالان رهينة التوقف والتخريب منذ سنوات.
- ساعات الانقطاع: سجلت بعض المناطق انقطاعات تجاوزت 12 ساعة متواصلة، مما أدى إلى شلل تام في الحياة اليومية.
تشريح الجسد المنهك: لماذا تفشل الحلول؟
يرى الخبراء أن الشبكة الكهربائية في ليبيا تشبه جسداً يحاول الركض برئتين معطلتين. فالأزمة مركبة، تبدأ من توقف المشاريع الإستراتيجية التي كانت تستهدف إعادة بناء المنظومة قبل عام 2011، ولا تنتهي عند تهالك شبكات النقل.
1. معضلة الوقود والغاز
توقف الإنتاج في حقل "الفيل" النفطي وتعطل إمدادات الغاز من مجمع "مليتة" الصناعي أدى إلى خروج وحدات توليد كاملة عن الخدمة. إن العلاقة بين النفط والكهرباء في ليبيا هي علاقة الروح بالجسد؛ فكلما توقف ضخ الغاز، سكنت التوربينات وغرقت المدن في العتمة.
2. شبكات النقل والربط
الأزمة ليست في التوليد فحسب، بل في "شرايين" نقل هذه الطاقة. انهيار دائرة الربط بجهد 400 كيلو فولت بين سرت ومصراتة تسبب في إظلام كامل للمنطقة الشرقية، مما يثبت أن البنية التحتية للنقل متهالكة ولا تتحمل ضغوط الأحمال الصيفية.
3. القدرة الاسمية مقابل القدرة الفعلية
هناك فجوة بين ما تعلنه الجهات الرسمية وبين الواقع؛ فكثير من المحطات القديمة تُحسب ضمن القدرة الإنتاجية ورقياً، لكنها في الواقع تجاوزت عمرها الافتراضي وتعمل بكفاءة متدنية جداً، مثل محرك قديم يحاول جر مقطورة عملاقة.
بين وعود الحكومات وواقع البيوت
رغم الحديث عن استئناف الربط الكهربائي مع مصر بقدرة 70 ميغاواطا، وتشغيل وحدات جديدة في محطة الزاوية، إلا أن المواطن الليبي، كالمهندسة "رؤى ناصف" العائدة من الخارج، يصطدم بواقع لم يتغير منذ سنوات. الاستقرار لا يتحقق بمسكنات مؤقتة، بل برؤية طويلة الأمد تشمل تحديث شبكات التوزيع والالتزام الصارم بجدول الصيانة الدورية.
خاتمة: الضوء كعقد اجتماعي
إن استعادة التيار الكهربائي في ليبيا ليست مجرد عملية تقنية لربط الأسلاك، بل هي عملية ترميم للثقة المفقودة بين المواطن والدولة. فكل ساعة إظلام هي ثقب جديد في جدار السلم الأهلي، وكل "ميغاواط" يُضاف إلى الشبكة هو خطوة نحو إطفاء نيران الاحتجاجات. سيبقى السؤال "أين ذهبت المليارات؟" معلقاً في الهواء، حتى يرى الليبيون أنوار مدنهم تضيء دون انقطاع، معلنةً نهاية عصر المولدات وبداية عصر الاستقرار.



اترك تعليقاً