عصر الهاتف الذكي انتهى.. فما الذي سيحل محله؟

عصر الهاتف الذكي انتهى.. فما الذي سيحل محله؟

رؤية “ترو فينتشرز” لمستقبل التفاعل البشري مع التكنولوجيا

لا يعتقد جون كالاغان، الشريك المؤسس لشركة “ترو فينتشرز” (True Ventures)، أننا سنستمر في استخدام الهواتف الذكية بالطريقة الحالية خلال السنوات الخمس المقبلة، بل يذهب إلى أبعد من ذلك متوقعاً اختفاءها تماماً في غضون عشر سنوات. بالنسبة لمستثمر مغامر حققت شركته نجاحات كبرى على مدار عقدين من الزمن — بدءاً من علامات تجارية استهلاكية مثل “Fitbit” و”Ring” و”Peloton”، وصولاً إلى شركات البرمجيات المؤسسية مثل “HashiCorp” و”Duo Security” — فإن هذا التوقع ليس مجرد تنظير عابر، بل هو أطروحة استثمارية تراهن عليها شركته بنشاط.

لم تصل “ترو” إلى هذه المكانة عبر اتباع القطيع؛ فقد عملت الشركة التي تتخذ من منطقة الخليج بكاليفورنيا مقراً لها بعيداً عن الأضواء، رغم إدارتها لأصول تبلغ قيمتها نحو 6 مليارات دولار عبر 12 صندوقاً للتمويل الأولي (Seed Funds) وأربعة صناديق استثمارية متخصصة. وبينما اتجهت شركات رأس المال الجريء الأخرى نحو الترويج الإعلامي وبناء العلامات التجارية الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي، اختارت “ترو” المسار المعاكس عبر بناء شبكة وثيقة من “المؤسسين المتسلسلين”. ويبدو أن هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها؛ حيث تفتخر الشركة بتحقيق 63 عملية تخارج مربحة و7 اكتتابات عامة أولية (IPOs) ضمن محفظة تضم حوالي 300 شركة.

نهاية عصر “الآيفون” وبداية الواجهات الطبيعية

“لن نستخدم أجهزة الآيفون بعد 10 سنوات”، هكذا صرح كالاغان بوضوح، مضيفاً: “ربما لن نستخدمها خلال خمس سنوات، أو لنقل بعبارة أكثر تحفظاً: سنستخدمها بطرق مختلفة تماماً”. وتتمحور حجته حول فكرة بسيطة: هواتفنا الحالية هي واجهة سيئة للتفاعل بين البشر والذكاء الاصطناعي؛ فعملية إخراج الهاتف لإرسال رسالة نصية أو بريد إلكتروني تعد عملية غير فعالة، ومعرضة للخطأ، وتسبب انقطاعاً في تدفق حياتنا الطبيعية.

بناءً على هذا اليقين، قضت “ترو فينتشرز” سنوات في استكشاف واجهات بديلة، سواء كانت برمجية أو مادية. وهو نفس الحدس الذي دفعهم للرهان المبكر على “Fitbit” قبل أن تصبح الأجهزة القابلة للارتداء أمراً بديهياً، والاستثمار في “Peloton” بعد رفض مئات المستثمرين الآخرين، ودعم “Ring” عندما نفدت أموال مؤسسها جيمي سيمينوف. في كل مرة، كان الرهان يبدو محفوفاً بالمخاطر، لكنه كان يرتكز على طريقة جديدة وأكثر طبيعية للتفاعل مع التكنولوجيا.

جهاز “ساندبار”: الخاتم الذي يقرأ الأفكار

أحدث تجليات هذه الفلسفة هو جهاز “ساندبار” (Sandbar)، وهو خاتم يتم تفعيله بالصوت ويُرتدى في إصبع السبابة، ويصفه كالاغان بأنه “رفيق للأفكار”. ويهدف الجهاز إلى تحقيق غرض واحد ببراعة: التقاط وتنظيم أفكارك عبر الملاحظات الصوتية. لا يحاول الجهاز منافسة أدوات تتبع الصحة أو الدبابيس الذكية، بل يركز على سد فجوة سلوكية بشرية أساسية تفتقر إليها التكنولوجيا اليوم.

تعتمد رؤية “ساندبار” على المبادئ التالية:

  • تحويل الأفكار اللحظية إلى بيانات منظمة باستخدام الذكاء الاصطناعي.
  • خلق واجهة لا تتطلب الانقطاع عن النشاط الحالي للمستخدم.
  • التركيز على السلوك البشري بدلاً من التركيز على الجهاز بحد ذاته.

الاستثمار في السلوكيات لا الأدوات

يوضح كالاغان أن القيمة الحقيقية لا تكمن في “الدراجة” في حالة “Peloton”، بل في السلوك والمجتمع الذي خلقته. هذه الفلسفة تسمح لشركة “ترو” بالبقاء منضبطة في تخصيص رأس المال؛ فبينما تجمع الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي مئات الملايين بتقييمات مليارية، تلتزم “ترو” بما تجيده: كتابة شيكات التمويل الأولي التي تتراوح بين 3 إلى 6 ملايين دولار مقابل حصص تتراوح بين 15% إلى 20%.

وعن طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية، يبدي كالاغان تفاؤلاً مشوباً بالحذر، حيث يرى علامات تحذيرية في صفقات التمويل الدائرية والإنفاق الرأسمالي الضخم على مراكز البيانات. ومع ذلك، يعتقد أن خلق القيمة الأكبر سيكون في “طبقة التطبيقات” (Application Layer)، حيث ستمكن الواجهات الجديدة سلوكيات بشرية مبتكرة تماماً.

في الختام، يشير كالاغان إلى أن الاستثمار الناجح في المراحل المبكرة يجب أن يبدو “مخيفاً ومجنوناً وضبابياً” في بدايته. وبالنظر إلى سجل “ترو” الحافل بالرهانات الناجحة على تقنيات تجاهلها الآخرون، فإن تحذيره من أن أيام الهاتف الذكي باتت معدودة يستحق التأمل، خاصة مع تشبع سوق الهواتف ونمو سوق الأجهزة القابلة للارتداء بمعدلات ثنائية الرقم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *