إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. أما بعد، فإن عقيدة الولاء والبراء تمثل القطب الذي تدور عليه رحى الإيمان، وهي الترجمة العملية لشهادة أن لا إله إلا الله، والمظهر الأسمى لتحقيق التوحيد في واقع المسلم المعاصر. إنها ليست مجرد تنظير بارد، بل هي نبض العقيدة الذي يحدد ملامح علاقة المؤمن بربه، وبالمجتمع، وبالعالم بأسره، قياماً على أصل الحب في الله والبغض في الله.
مراتب الخلق في ميزان الولاء والبراء
لقد استقر منهج أهل السنة والجماعة على تصنيف الناس وفق تمسكهم بالشريعة وإخلاصهم في التوحيد إلى ثلاثة أصناف محكمة، تجسد وسطية هذا المنهج وعدله:
أولاً: من يستحق الولاء المطلق
وهم الذين آمنوا بالله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم حق الإيمان، واستقاموا على شرائع الإسلام علماً وعملاً واعتقاداً. هؤلاء هم أولياء الله الذين تجب محبتهم ونصرتهم وموالاتهم بالقلب واللسان والجوارح.
ثانياً: من يوالى من وجه ويعادى من وجه
وهذا الصنف هو مظهر "الوسطية" في مذهب السلف الصالح، وبه يتميزون عن الغلاة من الخوارج والمعتزلة. وهو المسلم الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً؛ فيوالى لما معه من الإيمان والطاعة، ويعادى لما تلبس به من المعصية والفسوق، مع بقائه في دائرة الإسلام.
ثالثاً: من يستحق البراء المطلق
وهم الذين حادوا الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وشمل ذلك الكفر بأركان الإيمان أو الإشراك بالله في عبادته. فهؤلاء تجب عداوتهم في الله، والبراءة من كفرهم وضلالهم، عملاً بقوله تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ}.
شروط صحة الولاء والبراء ومقتضيات التوحيد
لكي تستقيم دعوى الإيمان وتؤتي ثمارها في تحقيق الولاء والبراء، حدد العلماء -ومنهم الشيخ محمد سعيد القحطاني- سبعة شروط أساسية، بمثابة "الأسنان" لمفتاح التوحيد، وهي:
- العلم: المنافي للجهل بحقيقة التوحيد ومقتضياته.
- اليقين: المنافي للشك في بطلان ما يعبد من دون الله.
- الإخلاص: المنافي للشرك والرياء في الموالاة والمعاداة.
- الصدق: المنافي للكذب والنفاق في ادعاء المحبة لله.
- المحبة: المنافية للبغض لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
- الانقياد: المنافي للترك، بالخضوع لأوامر الله عز وجل.
- القبول: المنافي للرد، بقبول كل ما ثبت عن الشارع الحكيم.
الموقف من أهل الأهواء ونواقض العقيدة
إن أهل السنة والجماعة يلتزمون موقفاً حازماً من البراء تجاه كل من أدخل في الدين ما ليس منه من الأهواء المضلة والبدع المحدثة. كما نبه المحققون إلى وجود قضايا معاصرة تخدش في أصل عقيدة الولاء والبراء، ومنها موالاة أعداء الدين، أو التشبه بهم فيما هو من خصائصهم، أو الركون إلى المناهج الوضعية التي تضاد حكم الله سبحانه وتعالى.
الخاتمة
ختاماً، وكما قرر الشيخ محمد سعيد القحطاني وأئمة السلف من قبله، فإن الولاء والبراء هو محور الهوية الإسلامية، وسياج العقيدة المنيع الذي يحفظ على الأمة نقاءها من الشوائب الخارجية والانحرافات الداخلية. نسأل الله عز وجل أن يحيينا على التوحيد، وأن يرزقنا حب من يحبه، وبغض من يعاديه، وأن يجعل ولاءنا خالصاً لوجهه الكريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً