استهلال: في ظلال القسم الإلهي
حينما يشرق الحق في محكم التنزيل، ويقسم الله عز وجل بمخلوق من مخلوقاته العظيمة، كالسماء المرفوعة، والأرض المدحوة، والنجوم الخنس، والأوقات المتعاقبة، فإنما يستوقفنا ذلك البيان الإلهي لتقرير حقيقة كبرى، هي أعظم شأناً وأخطر أثراً من تلك المخلوقات المقسم بها. وفي مطلع سورة العاديات، يطالعنا هذا القسم المهيب الذي يهز الوجدان، حيث يقول الله تعالى: {والعاديات ضبحا فالموريات قدحا فالمغيرات صبحا فأثرن به نقعا فوسطن به جمعا}، مقسماً سبحانه وتعالى بهذه الخيل التي تلهث في عدوها، وتوري النار بحوافرها، وتغير في الصباح الباكر، مثيرةً غبار المعركة في سبيل الله عز وجل.
إن هذا القسم بعظمة هذا المخلوق الوفي، ودوره المحوري في حياة الإنسان المجاهد، إنما جاء ليوكد حقيقة نفسية واجتماعية بالغة الخطورة، كشف عنها السياق في تمام الآيات بقوله سبحانه: (إن الإنسان لربه لكنود)؛ وهنا تكمن العبرة، حيث يتجلى الإنسان الكنود في صورة الكفور الجحود بنعم ربه، ذاك الذي انطمست بصيرته عن رؤية آلاء الله المحيطة به، فلا يرى إلا المصائب، ولا يحصي إلا النقم، كأنما خلت حياته من كل فيض ومنة.
تشريح الداء: ما هو الكنود في السنة النبوية؟
لقد اعتنى الهدي النبوي ببيان هذه الآفة النفسية بياناً شافياً يقطع دابر الجهل بمعناها؛ فعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -كما أخرجه الإمام أحمد في مسنده والطبراني-: “أتدرون ما الكنود؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هو الكفور الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده”.
إن هذا التوصيف النبوي الدقيق يضع اليد على مكمن العلة؛ فـ "منع الرفد" هو البخل بالعطاء والفضل والمعروف، وإمساك يد المساعدة عن المحتاجين، وهو مظهر من مظاهر انغلاق النفس على ذاتها، وانقطاع صلتها بموجبات الشكر والامتنان لله عز وجل ولخلقه.
بصائر المفسرين في حقيقة الجحود
وليس بالضرورة أن يكون الإنسان الكنود كافراً بالمعنى الاعتقادي المطلق، بل قد يكون مؤمناً أصابته لوثة الجحود بالنعمة؛ وهذا ما جلاه الإمام ابن عطية في تفسيره “المحرر الوجيز”، حيث يرى أن تقدير الآية: “أن الإنسان لنعمة ربه لكنود”، أي لا فائدة ترجى منه، كالأرض الكنود التي لا تنبت شيئاً.
وقد تضافرت أقوال السلف في وصف هذه الحالة المزرية:
- قيل: الكنود هو اللائم لربه، الذي يعد السيئات وينسى الحسنات.
- وقال الفضيل بن عياض واصفاً إياه: “هو الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة، ويعامل الله على عقد عوض!”.
فهو إنسان يقايض ربه، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة أو ابتلاء، نسي كل ما سلف من إحسان إلهي، وانقلب على وجهه جحوداً ونكراناً.
فطرية الشكر ومآلات نكران الجميل
إن نكران الجميل سلوك مستهجن تأباه الفطرة السوية، ويورث في النفس ألماً بالغاً؛ فالفطرة التي فطر الله الناس عليها تقتضي مقابلة الإحسان بالإحسان، أو على الأقل بالاعتراف والامتنان. فإذا كان هذا هو الميزان في التعامل بين البشر، فكيف يليق بالإنسان أن تفسد فطرته مع الخالق تبارك وتعالى، فيتحول إلى شخصية كنودة تجحد نعماً لا تعد ولا تحصى؟ إن الكنود ليس مجرد صفة عابرة، بل هو تشوه في الفطرة وفقدان للاستقرار النفسي والإيماني.
وقد حذرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من مغبة هذا السلوك؛ ففي سنن الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يشكر الله من لا يشكر الناس” (وهو حديث صححه الألباني). وفي حديث جامع آخر أخرجه الإمام أحمد والبيهقي: “من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب”.
الدروس المستفادة من التحذير من الكنود:
- الوعي بالنعمة: إن أولى خطوات النجاة من الكنود هي استحضار نعم الله عز وجل في كل حين، وعدم حصر النظر في مواطن الابتلاء.
- تربية النفس على الامتنان: شكر الناس على معروفهم هو بوابة كبرى لشكر الخالق سبحانه وتعالى.
- التحدث بالنعمة: إظهار فضل الله عز وجل والاعتراف به قولاً وعملاً يعد من أعظم القربات التي تطرد داء الجحود.
- تجنب عقد المعاوضة: المؤمن يعبد الله حباً وطمعاً في فضله، لا بمبدأ المقايضة الذي ذمه الفضيل بن عياض.
خاتمة الضراعة:
إن العبد الموفق هو من جعل الشكر مطيته، والاعتراف بالفضل ديدنه. فاللهم ربنا اجعلنا لك ذكارين، لك شكارون، إليك أواهين منيبين، ولا تحرمنا نعمك بذنوبنا وجحودنا، وطهر قلوبنا من غائلة الكنود، واجعلنا ممن يرى فضلك في المنع والعطاء، آمين.



اترك تعليقاً