غواية الكبر وعمى البصيرة: قراءة في حجة المستكبرين عبر العصور
إن المتأمل في مسيرة الوحي الإلهي منذ فجر الرسالات يجد صراعاً محتدماً بين نور الحق وظلمات النفوس المستكبرة. لم تكن حجة المستكبرين عبر العصور وليدة صدفة، بل هي داء عضال تغلغل في القلوب فأعماها عن إدراك جلال النبوة، حيث استبد الكبر بالنفوس حتى غدت ترى الحق باطلاً والباطل حقاً.
الحسد: القيد الذي غلّ بصائر الصناديد
لقد كان أبو لهب، عم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، نموذجاً صارخاً لمن أوردهم الحسد موارد الهلكة؛ إذ رأى في قرارة نفسه الآثمة أنه الأحق بمقام النبوة الذي شرف الله عز وجل به ابن أخيه. هذا الحسد المتمكن قاده إلى عمى بصيرة مطبق، حتى حاد عن المحجة البيضاء، وانخرط في سلك عتاة المجرمين الذين ناصبوا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم العداء من مشركي قريش، أمثال أمية وعقبة بن أبي معيط والوليد بن المغيرة والنضر بن الحارث، وغيرهم ممن طواهم الردى ودُفنوا في قليب بدر [متفق عليه].
ولم يكن أبو جهل بن هشام بمنأى عن هذا الداء؛ فقد عرف الحق واستيقنته نفسه، بل واعترف للناس سراً بصدق هذا الدين، بيد أن رياح الكبرياء والحسد جرت بما لا تشتهيه سفن إيمانه. لقد تملك الكبر قلبه وقلوب صناديد قريش، فرفضوا دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، متوهمين أن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس بذلك الرجل الذي يستحق التبعية من أشراف القوم، لاسيما حين رأوا أن جل أتباعه من الضعفاء والموالي والعبيد [1].
ترفع الأرواح المتغطرسة عن نور الإسلام
إن الروح المتكبرة المتصلبة كانت العقبة الكؤود في طريق نجاتهم؛ فبعد أن لاحت لهم أنوار الهدى لتخرجهم من دياجير الجاهلية إلى ضياء الإسلام على يد سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، آثروا الكفر بنعمة الله عز وجل. لقد ترفعوا وتجبروا، وتساءلوا في استنكار غريب: كيف ينقادون لدين سبقهم إليه من يعدونهم أراذل القوم وضعفاءهم؟! [صحيح البخاري].
ملامح الحجة الباطلة في القرآن الكريم
لقد خلد القرآن الكريم منطقهم السقيم ووصفهم للدعوة المحمدية في مكة، حيث قالوا في حق عمار وبلال وصهيب وسلمان وابن مسعود رضي الله عنهم:
- {لو كانَ خيراً ما سبقونا إليه} [ الأحقاف: الآية 11].
- {أهؤلاء مَنَّ الله عليهم من بيننا } [ الأنعام: الآية 53].
وحدة الملة في الكفر والاستكبار
إنها القصة ذاتها التي تتكرر فصولها عبر الأزمان؛ فما قاله صناديد قريش هو ذاته ما تفوه به قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب. لقد توحدت الكلمات والمضامين وإن تباعدت الآماد، فكان لسان حالهم جميعاً: {قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون} [ الشعراء: الآية 111].
ويشخص الإمام ابن عاشور في كتابه (التحرير والتنوير) هذا الخطأ المنهجي في حجج المشركين، مبيناً أنه ناشئ عن الإعجاب المفرط بالنفس والغرور بالدين الموروث. فقد استدلوا بفساد منطقهم على أن لا خير في الإسلام لأن من بادروا إليه هم الضعفاء، وهم في نظر المستكبرين منحطون قدراً، وهو عين ما قاله قوم نوح لنبيهم: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أرَاذِلُنا بادي الرأي} [هود: الآية 27].
الدروس المستفادة من تاريخ الاستكبار:
- الكبر هو الحاجب الحقيقي عن إدراك الحقائق الإيمانية.
- قيمة المرء في ميزان الله عز وجل بالتقوى لا بالجاه أو النسب.
- الحسد يأكل الحسنات ويورث صاحبه الحسرة في الدنيا والآخرة.
الخاتمة
وختاماً، يتجلى لنا أن ملة الكفر واحدة في كل زمان ومكان، يجمعها جامع الاستكبار عن الحق والترفع عن الخلق. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يطهر قلوبنا من الكبر والحسد، وأن يرزقنا اتباع الحق وحب المساكين، وأن يثبتنا على صراطه المستقيم حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.



اترك تعليقاً