فجر الكلمة السورية: هل طُويت صفحة الرقابة في معرض الدوحة للكتاب؟

فجر الكلمة السورية: هل طُويت صفحة الرقابة في معرض الدوحة للكتاب؟

فجر الكلمة السورية: هل طُويت صفحة الرقابة في معرض الدوحة للكتاب؟

هل يمكن لنصف قرن من الصمت القسري أن يتبخر في زفرة واحدة؟ في صالة الندوات بمعرض الدوحة الدولي للكتاب، لم يكن الحضور على موعد مع ندوة فكرية عابرة، بل مع إعلان تاريخي يمس جوهر الثقافة السورية، حين نطق وزير الثقافة السوري، محمد ياسين صالح، بكلمات كانت حتى الأمس القريب ضرباً من الخيال: "لن يكون هناك أي كتاب ممنوع في سوريا، ولن تضع الدولة رقيباً على المبدع".

من عتمة الزنزانة إلى ضياء الحرف

تأتي هذه التحولات الجذرية بعد مخاض عسير عاشته البلاد؛ فالمشهد الثقافي الذي ظل رهين الركود والتبعية لعقود، يتحرر اليوم من إرث ثقيل. لقد جثم نظام الأسد (الأب والابن) على صدر الكلمة لقرابة 53 عاماً، قبل أن تتغير ملامح الخارطة بفرار بشار الأسد في الثامن من ديسمبر 2024.

هذا الانعطاف التاريخي يضعنا أمام استحقاقات كبرى، فالثقافة التي كانت تُدار بعقلية أمنية، تتهيأ اليوم لتكون فضاءً حراً. ويمكن تلخيص واقع القمع الذي ساد لعقود في النقاط التالية:

  • سطوة الرقيب: خضوع كل شاردة وواردة لمقص الأجهزة الأمنية قبل وصولها للمطبعة.
  • التهجير القسري للمبدعين: تحول المنافي إلى عواصم بديلة للثقافة السورية الحرة.
  • الاعتقال التعسفي: كما حدث مع الشاعر حسين حيدر في أغسطس 2023 لمجرد تعبيره عن وجع الناس عبر منصات التواصل.
  • الوصاية السياسية: تحويل دور النشر الرسمية إلى أبواق تمجيد، وتهميش كل صوت لا يغني في جوقة السلطة.

شارع الحلبوني: حين تستعيد الذاكرة عافيتها

في معرض الدوحة، لم يكن الحضور السوري مجرد بروتوكول رسمي، بل كان نبضاً قادماً من قلب دمشق. حضور ممثلي "شارع الحلبوني" العريق يمثل استعارة بصرية لعودة الروح إلى جسد النشر السوري. هذا الشارع، الذي يعد عصب الكتب في العاصمة، يفتح أرففه اليوم للعالم بعد سنوات من الحصار والرقابة.

إن مشاركة الهيئة العامة السورية للكتاب بإصدارات توثق أحداث الثورة، مثل كتاب "نفحات الياسمين"، تعكس رغبة حقيقية في إعادة المعاني إلى أصولها. الثقافة السورية اليوم لا تكتفي بحماية الذاكرة، بل ترسم ملامح "المضارع المستقبلي"، حيث يتحول الكتاب من أداة للخوف إلى وسيلة للتحرر.

مشروعات ميدانية: الكتاب يبحث عن قارئه

تجاوز الخطاب الثقافي الجديد حدود التنظير إلى حيز التطبيق، وبرز ذلك في مبادرات نوعية تهدف إلى ردم الفجوة بين المركز والأطراف:

  1. مشروع الحافلة الثقافية: وهي مكتبات متنقلة تجوب القرى والمناطق النائية لاكتشاف المواهب وتوزيع المعرفة.
  2. التوأمة الثقافية: تقاطع المبادرة السورية مع مبادرة معرض الدوحة التي تسيّر حافلات كتب لـ 12 مدرسة، مما يكرس مبدأ وصول المعرفة إلى مستحقيها.
  3. إحياء المعارض الكبرى: العودة إلى تنظيم معرض دمشق الدولي للكتاب بصيغة تسمح بعرض الكتب التي كانت محظورة سابقاً.

الثقافة كأمن قومي وأخلاقي

في ختام أطروحاته، وضع الوزير صالح الثقافة في مرتبة "الأمن القومي". هذا التوصيف ينقل الفعل الثقافي من كونه ترفاً نخبويًا إلى كونه ضرورة وجودية لتعافي المجتمع. إن استحضار مفهوم "الثقافة الجامعة" يهدف إلى لم شتات النسيج السوري الممتد لآلاف السنين، وتحويله إلى درع يحمي البلاد من حملات التشويه.

خاتمة الرؤية:
إن المسافة بين الوعود الرسمية والواقع الميداني هي المختبر الحقيقي لصدق النوايا. وبينما يراقب المثقف السوري في الداخل والمهجر هذه التحولات بحذر ممزوج بالأمل، تظل رفوف المكتبات في حلب وحمص ودير الزور هي الشاهد الأصدق. الثقافة في جوهرها هي إتمام لمكارم الأخلاق، والحرية هي التربة الوحيدة التي يمكن أن تنبت فيها تلك المكارم؛ فهل يشهد الغد السوري ولادة عصر لا يُمنع فيه كتاب، ولا يُسجن فيه خاطر؟ الأيام القادمة وحدها تملك فصل الخطاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *