# فرعونية الغرب وعبيد المنة: صرخة وعي في وجه الاستلاب الحضاري
إنَّ المتأمل في واقع أمتنا اليوم يدرك يقيناً أنَّ المعركة الكبرى ليست معركة حدود أو ثروات فحسب، بل هي في مقامها الأول معركة وعي واستلاب. وليس هناك خطرٌ يتهدد كيان هذه الأمة ويقوّض أركان نهضتها أشد من أولئك الذين نبتت أجسادهم في تربتنا، لكن أرواحهم تشربت قيم غيرنا، حتى استحالوا -بقصد أو بغير قصد- أبواقاً تبرر الظلم، وألسنة تدافع عن الجلاد. إنهم يظهرون كلما تعالت الأصوات بكشف حقيقة “فرعونية الغرب”، ذلك الغرب الذي لم يزل تاريخه وحاضره يقطران بتسلط المستكبرين، وعدوان الطغاة، ونزوع الهيمنة الذي لا يشبع، وما رافق ذلك من ازدواجية مقيتة في المعايير، وظلم وبغيٍ يزكم الأنوف.
ظاهرة عبيد المنة: انبهارٌ أم استلاب؟
نعم، إنهم “عبيد الغرب” من بني جلدتنا، الذين يسوؤهم أن يُذكر الغرب بحقيقته؛ بفرعونيته وعدوانيته، بلصوصيته التي نهبت مقدرات الشعوب، وبغيه الذي أهلك الحرث والنسل. كلما حاول غيورٌ أن يكشف زيف هذه المدنية التي قامت على جماجم المستضعفين، وحقيقة إفسادها في الأرض بغير حق، انبرى هؤلاء بعجلة وحرصٍ مريب يدافعون عن سيرته، ويعددون مناقبه، وكأنهم حراسٌ على معبد الليبرالية المتوحشة.
وهنا تبدأ نغمة “المنّ” المعهودة، فيحاولون حبسنا في زاوية الضيق، ويشرعون في تعداد نعم الغرب علينا في كل شاردة وواردة. يقولون لنا بلسانٍ يقطر انهزاماً: انظروا إلى سياراتكم، وطائراتكم، وعقاقير دوائكم، وثلاجاتكم التي تحفظ طعامكم، وأجهزتكم التي تقيس نبض حياتكم.. أليست كلها من صنع الغرب؟ ألا نترفه في ظل اختراعاته، ونتواصل بأدواته، ونحارب بأسلحته، بل ونستتر بثوب آلة خياطته؟
هذا السيل المتدفق من تعداد النعم، بلسانٍ عربيٍ لكنه غير مبين في مقاصده، يهدف إلى إلقاء الرعب في قلوبنا، وإشعارنا بالدونية الدائمة، ليبقى الغرب هو “الإله” المعبود في محراب المادة، وتبقى الأمة الإسلامية مجرد مستهلكٍ ذليل لا يملك من أمره رشداً.
الحوار الخالد: موسى عليه السلام في مواجهة فرعون
إن هذا المشهد المعاصر يعيد إلى الأذهان مشهداً قرآنياً عظيماً، لخصه لنا الوحي في حوارٍ دارت تفاصيله بين نبي الله موسى عليه السلام وفرعون الطاغية. لقد حاول فرعون أن يستدر عطف موسى، ويذكره بسابق فضله عليه، ليصادر حقه في المواجهة، ويستثمر لحظة الضعف البشري في استدعاء ماضي الإحسان المزعوم.
يقول الله تعالى في سورة الشعراء حكايةً عن قول فرعون: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سنين (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِين}.
لقد أراد فرعون أن يقول لموسى: “أنا الذي آويتك، وأنا الذي أطعمتك، فكيف تعاديني اليوم؟”. إنه المنّ الذي يقتل الكرامة، وهو ذات المنّ الذي يمارسه الغرب وأذنابه اليوم حين يذكروننا بمخترعاتهم ليصمتوا فينا صوت الحق المطالب بالعدالة والتحرر.
الجواب النبوي: تحطيم أصنام المنة
لكن الجواب النبوي جاء في غاية التوازن والصرامة، ليضع لنا دستوراً في التعامل مع هيمنة الأقوياء. لقد أقر موسى عليه السلام بالواقع دون تزييف، لكنه رفض المنة دون تردد. اعترف بالفعل في قوله تعالى: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ}، ثم انتقل فوراً لكشف حقيقة تلك “النعمة” المزعومة وتفكيكها.
قال موسى عليه السلام كلمته الخالدة التي يجب أن تحفظها الأجيال: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تمنها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}.
يا له من كشفٍ نصابٍ وافٍ! لقد رد موسى زعم المنة، وكشف كذب الفضل. إن الحقيقة التي أراد موسى تبيانها هي أن مكوثه في قصر فرعون لم يكن خياراً ترفياً، بل كان نتيجةً لظلم فرعون واستعباده لبني إسرائيل. لولا أن فرعون كان يقتل الأبناء ويستحيي النساء، لما ألقته أمه في اليم، ولما استقبله القصر.
إن النعمة الحقيقية التي كان موسى يرجوها هي العيش في كنف أمه وأسرته، في ظل حرية قومه، لا في قصر طاغية يستعبد أهله. إن “النعمة” التي يمنّ بها فرعون هي في حقيقتها ثمرةٌ من ثمار جريمته الكبرى؛ وهي استعباد أمة بأكملها.
إسقاط الواقع: فرعونية الغرب المعاصرة
وهنا نصل إلى لب القضية؛ إن العبارة التي ألقم بها موسى فرعون حجراً صلداً، هي ذاتها التي يجب أن نلقمها اليوم لكل الأفواه التي تتمنن علينا بكل وافدٍ غربي.
لو كان لنا الاختيار الحر، والنفوذ المتحرر، والسيادة الحقيقية على أرضنا ومواردنا، لصنعنا ثلاجتنا، وسيارتنا، وطائرتنا، ودواءنا، وسلاحنا. إننا نملك العقول، ونملك الموارد، ونملك التاريخ الحضاري المجيد. ولكن، وللأسف الشديد، فإن فرعونية الغرب تأبى علينا ذلك.
إن الغرب لا يكتفي ببيعنا منتجاته، بل يفرض علينا “دركة الزبونية” بالنار والحديد. إنه يحارب كل محاولة للنهوض الذاتي، ويحاصر كل مشروع للتصنيع المستقل، ويغتال العقول التي تحاول كسر طوق التبعية. ثم يأتي بعد ذلك ليمنّ علينا بأنه يبيعنا ما يفيض عن حاجته!
إنهم يستعبدون الشعوب اقتصادياً وسياسياً، وينهبون ثرواتهم بأثمان بخسة، ثم يعيدون تصديرها لنا في شكل سلعٍ استهلاكية، ويطالبوننا فوق ذلك بالشكر والامتنان! أليست هذه هي عين الفرعونية التي واجهها موسى عليه السلام؟
نحو وعي حضاري متوازن
إن تحرير هذا المعنى في نفوس أبناء الأمة هو بداية الطريق السوي. إننا بحاجة إلى السير بخطى ثابتة للخروج من ثنائية مقيتة: ثنائية “الجحود الأعمى” لكل منجز بشري، وثنائية “الانبهار المستلب” الذي يؤله الصانع الغربي.
لقد كان أسلافنا الأجاود يزنون الأمور بميزان العدل والقسطاس المستقيم. كانوا يعترفون بالمنجز العلمي والحضاري دون أن يقدسوا صانعه إذا كان ظالماً. انتفعوا بوسائل الروم والفرس، وساكنوا شياطين الإنس، لكنهم لم يستسلموا لهيمنة أحد. كانوا يأخذون الحكمة أنى وجدوها، لكنهم احتفظوا ببوصلتهم الإيمانية وهويتهم المستقلة.
لقد أخبرنا القرآن الكريم عن سيرة هؤلاء المستكبرين، وأنهم كانوا ولا يزالون أشد عداوة للذين آمنوا. لذا، وجب علينا الحذر، والوقوف بوعي أمام سيرة معشر المنافقين من بني جلدتنا، الذين يمشون بين ظهرانينا، يأكلون من خيرات هذه الأرض، لكن ولاءهم وقبلة ثنائهم تتجه نحو الغرب دائماً. إنهم يستفيدون من خيراتنا، لكنهم يشكرون غيرنا، ويكفرون بملة أمتهم وتاريخها.
خاتمة: الحرية قبل الرغيف
إن الأمة التي تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تصنع، ستظل مرتهنةً لإرادة غيرها. ولكن الأخطر من ارتهان البطون هو ارتهان العقول. إننا ندعو إلى وعيٍ يفرق بين “الوسيلة” و”الهيمنة”.
نحن نستخدم أدوات العصر، ليس لأننا عاجزون خلقاً، بل لأننا محاصرون واقعاً. والرد على منّة الغرب يكون بالعمل الدؤوب لاستعادة السيادة، وبناء القوة الذاتية التي تجعلنا شركاء في الحضارة لا مجرد تابعين في ذيل القافلة.
ليعلم عبيد الغرب أن سيارةً نركبها بكرامتنا، خيرٌ من طائرةٍ نركبها ونحن نسجد لربوبية صانعها. وإن فصلاً واحداً من كتاب الوعي، كفيلٌ بأن يحطم أصنام التبعية، ويعيد للأمة ثقتها بربها أولاً، ثم بقدرتها على صياغة مستقبلها بيديها، بعيداً عن منّة فرعون أو غطرسة الغرب.
{وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تمنها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ}.. فلتكن هذه الصرخة شعار كل حرٍ يرفض الاستلاب، وكل مؤمنٍ يدرك أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.


اترك تعليقاً