فقه الرد على المخالف: كيف نختلف وتبقى القلوب متآلفة؟

مقدمة: حتمية الاختلاف وسنة الله في الخلق

الحمد لله الذي جعل في اختلاف الألسنة والألوان والفهوم آية للعالمين، والصلاة والسلام على من بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، ويجمع القلوب على كلمة التوحيد، وعلى آله وصحبه الذين ضربوا أروع الأمثلة في فقه التعايش وأدب الحوار. أما بعد:

إن المتأمل في ملكوت الله يدرك يقيناً أن التنوع والاختلاف سنة إلهية جارية، وقدر كوني لا محيد عنه. لقد اقتضت حكمة الله -عز وجل- أن يجعل الخلق متفاوتين في صورهم وأشكالهم، وأصواتهم وألوانهم، بل ويمتد هذا التفاوت ليشمل الأمور الباطنة من ذكاء وعقل، وهمة وشجاعة، وصبر وجلد. هذا التباين الفطري يؤدي قطعاً إلى تفاوت في النظر، واختلاف في الرأي، وتباين في الفهم والحكم على الأشياء المحيطة بالإنسان.

وكما أن هذا التفاوت يؤثر في رؤية البشر للأمور الدنيوية، فإنه يجري بالضرورة على نظرهم في القضايا الشرعية والمسائل الاجتهادية. وهذا أمر لا يحتاج إلى كثير استدلال، إذ هو واقع ملموس لا ينازع فيه عاقل. فالعقول ليست قوالب متطابقة، والمدارك ليست نسخاً مكررة، ومن هنا ينبغي أن ننطلق في فهمنا لقضية الخلاف؛ بوصفها ظاهرة طبيعية تستوجب الإدارة لا الاستئصال، والتوجيه لا التصادم.

الألفة: المقصد الأسمى والنعمة العظمى

لقد جعل الإسلام من وحدة الصف وائتلاف القلوب غاية عظمى، وامتن الله -تبارك وتعالى- على عباده المؤمنين بأن ألف بين قلوبهم بعد شتات، وجمعهم بعد فرقة. يقول الله عز وجل في محكم التنزيل: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ} [الأنفال: 63]. إنها منة إلهية لا تُقدر بثمن، وعطية ربانية تفوق كنوز الأرض جميعاً.

ويؤكد سبحانه وتعالى على هذه النعمة في موضع آخر قائلاً: {وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا} [آل عمران: 103]. إن هذا التوجيه القرآني يدل بوضوح على أن جمع قلوب المؤمنين، وتأليف أرواحهم، واجتماع كلمتهم، وصلاح ذات بينهم، هي من أعظم المقاصد الشرعية والمطالب المرعية. بل إنها القواعد العظيمة التي يقوم عليها صرح الدين، فأهل هذا الأصل هم “أهل الجماعة”، بينما الخارجون عنه بتعمد الفرقة والشقاق هم “أهل الفرقة”.

الرد العلمي لا ينافي المودة الإيمانية

لا يخفى على بصير أن الخلاف قد يلقي بظلاله على المودة، فإذا اقترن الخلاف بالرد والمناظرة، فقد يقع في النفوس شيء من الوحشة أو النفور. وهنا يأتي دور “فقه الرد” وتجريد النفس من حظوظها. إن الرد العلمي الهادف إلى تبيين الحق وإرشاد الخلق لا ينبغي أبداً أن يكون معول هدم لأواصر الأخوة.

إذا فُرض أن مقصود كل طرف هو الوصول إلى الحق، والتماس مرضاة الله، فإن الخلاف والرد والمجادلة بالتي هي أحسن لا يسوغ قطع حبل المودة، ولا يبرر التنابز والتدابر. فالحق أحب إلينا من الأشخاص، ولكن الأشخاص الذين تجمعنا بهم رابطة الإيمان لهم حق الحرمة والمحبة. وكما قيل في الأثر: “في الرد تضطغن العقول وليس تضطغن الصدور”. أي أن العقول قد تتصادم في الحجة، لكن الصدور يجب أن تبقى نقية من الغل والحقد.

إن الميزان الدقيق لدى أهل السنة والجماعة في قضية الولاء والبراء يقوم على الإيمان والاتباع والعمل الصالح، وليس على مجرد الموافقة في كل مسألة اجتهادية. فالمسلم يوالي أخاه المسلم لإيمانه، وإن خالفه في رأي أو رده في مسألة، طالما أن ذلك في دائرة الخلاف السائغ الذي يحتمله النص.

مدرسة السلف: نماذج مضيئة في أدب الخلاف

لقد كان سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان يتنازعون في مسائل علمية، بل وفي قضايا اعتقادية اجتهادية، ومع ذلك بقيت جماعتهم واحدة، وألفتهم قائمة. كانوا يتناظرون مناظرة مشاورة ومناصحة، لا مناظرة مغالبة ومشاحنة. ربما اختلف قولهم في المسائل العلمية والعملية، لكن بقيت “عصمة الأخوة” قائمة، وأخوة الدين ثابتة.

إليك هذه النماذج التي تنير الدرب لكل طالب علم ومحب للحق:

1. الإمام الشافعي ويونس الصدفي:
يروي يونس الصدفي (ت 264هـ) موقفاً يسطر بماء الذهب، يقول: “ما رأيت أعقل من الشافعي؛ ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا، ولقيني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى، ألا يستقيم أن نكون إخواناً، وإن لم نتفق في مسألة؟!”. يا لله! ما أعظم هذا الفهم! إنها دعوة لتجاوز ضيق الرأي إلى سعة الأخوة، وللعلم أن المسألة التي اختلفا فيها لم تكن لتفسد للود قضية عند من عرف قدر الإيمان.

2. الإمام أحمد وعلي بن المديني:
روى ابن عبد البر عن العباس بن عبد العظيم العنبري قال: كنت عند أحمد بن حنبل وجاءه علي بن المديني راكباً على دابة، فتناظرا في مسألة “الشهادة” (أي الشهادة بالجنة لمن شهد بدراً والحديبية)، وارتفعت أصواتهما في النقاش حتى خفت أن يقع بينهما جفاء. كان أحمد يرى الشهادة لهم، وعلي يأبى ويدفع. ورغم حدة النقاش العلمي، فلما أراد علي الانصراف، قام الإمام أحمد -وهو إمام أهل السنة- فأخذ بركاب دابة علي بن المديني إجلالاً له وتكريماً. هكذا يكون الرد؛ حجة قوية، وقلب رحيم، وتواضع جم.

3. الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه:
قال الإمام أحمد عن رفيقه إسحاق بن راهويه: “لم يعبر الجسر إلى خراسان مثل إسحاق، وإن كان يخالفنا في أشياء، فإن الناس لم يزل مخالف بعضهم بعضاً”. هكذا وبكل بساطة، يعترف الإمام بفضل مخالفه، ويقرر حقيقة تاريخية وواقعية بأن الخلاف لم يزل موجوداً بين الناس، ولم يكن يوماً سبباً في إهدار الأقدار أو جحد الفضائل.

متى يكون الخلاف مذموماً؟

بعد هذا التأصيل للألفة في الخلاف السائغ، يجب أن ندرك أن هناك نوعاً من الخلاف لا يُعذر صاحبه، وهو الخلاف الذي يصادم نصاً صريحاً من الكتاب المستبين، أو السنة المستفيضة، أو ما أجمع عليه سلف الأمة إجماعاً قطعياً. في هذه الحالة، لا يُعد الخلاف سائغاً، ويُعامل المخالف بما يقتضيه الشرع من الزجر والبيان، كما يُعامل أهل البدع الذين فارقوا الجماعة في أصولها.

ومع ذلك، حتى في المسائل الكبيرة، كان العلماء يتوخون الحذر في التبديع والتقاطع. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مسألة رؤية الكفار لربهم في عرصات القيامة: “ليست هذه المسألة -فيما علمت- مما يوجب المهاجرة والمقاطعة، فإن الذين تكلموا فيها قبلنا عامتهم أهل سنة واتباع، وقد اختلف فيها من لم يتهاجروا ويتقاطعوا”.

خاتمة: نداء إلى القلب والعقل

إن حاجتنا اليوم إلى فقه الرد وأدب الخلاف أشد من حاجتنا إلى الطعام والشراب. إن تمزق الصفوف، وتناحر القلوب بسبب مسائل اجتهادية يسوغ فيها الخلاف، هو فتنة عمياء تصرفنا عن معالي الأمور وتضعف شوكة المسلمين.

ليكن شعارنا دائماً: “نصحح الخطأ، ونحفظ كرامة المخطئ”. لنختلف بعقولنا، ولنتصافح بقلوبنا. إن الحق الذي ننشده لا يكتمل إلا بجمال الأخلاق التي نتمثلها. فلنتقِ الله في أخوتنا، ولنعلم أن ما يجمعنا من أصل الإيمان أعظم بكثير مما يفرقنا من تفريعات الفهوم.

اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *