فقه المسؤولية الطبية في عصر الجراحة الروبوتية والذكاء الاصطناعي: دليل شامل لتحديد الضمان والتبعات

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله: “وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا”، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي أرسى قواعد الطب وأصول المداواة حين قال: “تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً”. أما بعد؛

نعيش اليوم طفرة تكنولوجية غير مسبوقة، حيث اقتحم الذكاء الاصطناعي والجراحة الروبوتية أدق تفاصيل العمليات الطبية. وإذا كان الفقه الإسلامي يتميز بمرونته وقدرته على استيعاب النوازل، فإن “المسؤولية الطبية” في ظل هذه التقنيات أصبحت من أعقد القضايا المعاصرة. لم يعد الطبيب هو الفاعل الوحيد في المشهد، بل دخل “المبرمج” و”المصنع” كأطراف فاعلة، مما يستوجب إعادة النظر في تحديد مناط الضمان وتوزيع التبعات وفق مقاصد الشريعة الإسلامية وقواعدها الكلية.

أولاً: تأصيل المسؤولية الطبية في الفقه الإسلامي

تقوم المسؤولية الطبية في الإسلام على التوفيق بين مصلحة المريض في حفظ نفسه، ومصلحة المجتمع في تشجيع الأطباء على الممارسة دون خوف من تعنت أو تعجيز. وقد وضع النبي ﷺ القاعدة الأساسية حين قال: “من تطبب ولا يعلم منه طب فهو ضامن” (رواه أبو داود والنسائي).

ويستنبط الفقهاء من هذا الحديث والآثار الأخرى أن الضمان (المسؤولية) يترتب في حالات ثلاث:

  • الجهل: أن يمارس الطب من ليس أهلاً له.
  • التقصير: إهمال الطبيب في اتباع الأصول العلمية المتعارف عليها.
  • العدوان: تعمد إلحاق الضرر أو إجراء جراحة دون إذن المريض أو وليه.

ثانياً: ماهية الجراحة الروبوتية وأنظمة التشخيص الذكي

قبل الخوض في الأحكام، يجب فهم الواقع (تحقيق المناط). الجراحة الروبوتية (مثل نظام دا فينشي) ليست استبدالاً كاملاً للطبيب، بل هي “أداة ذكية” تمنحه دقة متناهية. أما أنظمة التشخيص الذكي، فهي خوارزميات تحلل البيانات الضخمة لتقديم توصيات طبية. التحدي الفقهي هنا يكمن في: هل يُعامل الروبوت كـ “آلة” تابعة للمستخدم، أم كـ “فاعل مستتر” نتيجة استقلاليته الجزئية؟

ثالثاً: تحديد مناط الضمان في ظل التعددية التقنية

في الفقه التقليدي، الضمان يقع على “المباشر” أو “المتسبب”. في الجراحة الروبوتية، تتوزع الأدوار، ولتحديد المسؤولية يجب تفصيل الحالات الآتية:

1. مسؤولية الطبيب (الجراح أو المشرف)

يظل الطبيب في المنظور الإسلامي هو “القائد” للعملية الطبية. فإذا أخطأ في توجيه الروبوت، أو أساء تقدير الحالة بناءً على تشخيص الذكاء الاصطناعي مع وجود مؤشرات تخالفه، فإنه يعتبر “مباشراً” للضرر. وتطبق عليه قاعدة “المباشر ضامن وإن لم يتعمد”. ويشمل ذلك:

  • إهمال مراقبة الروبوت أثناء العمل.
  • عدم التأكد من جاهزية الجهاز قبل البدء.
  • الإصرار على الجراحة الروبوتية في حالات لا تسمح بها الأصول الطبية.

2. مسؤولية المصنع (الشركة المصنعة للجهاز)

إذا كان الضرر ناتجاً عن خلل في الأجهزة الصلبة (Hardware) أو عيب مصنعي أدى إلى حركة غير متوقعة للذراع الروبوتية، فإن المسؤولية هنا تخرج عن يد الطبيب وتنتقل للمصنع. شرعاً، يندرج هذا تحت باب “الغش في الصناعة” أو “خيار العيب”. فالشركة ضمنت سلامة الجهاز للاستخدام الآدمي، فإذا أخلّت بهذا الضمان فهي “المتسبب” الأول في الضرر.

3. مسؤولية المبرمج ومهندس الخوارزميات

هذا هو الوجه الأحدث للمسؤولية. الذكاء الاصطناعي يعتمد على “خوارزميات”. فإذا وجد خطأ في الكود البرمجي أدى لتشخيص خاطئ، أو كانت “بيانات التدريب” منحازة أدت لوفاة المريض، فإن المبرمج أو الشركة البرمجية هي المسؤول. فقهياً، يُعد المبرمج هنا “صانعاً” للأداة، والخطأ في الصنعة الذي يؤدي للتلف يوجب الضمان، قياساً على قول الإمام علي رضي الله عنه في تضمين الصنّاع: “لا يصلح الناس إلا ذاك”، أي لحماية أموال وأنفس الناس من ضياع المسؤولية.

رابعاً: قواعد توزيع التبعات عند تداخل الأخطاء

في حالات التعقيد التقني، قد يشترك الطبيب والمصنع والمبرمج في الخطأ. هنا نلجأ لقواعد الفقه المقاصدي:

  • قاعدة “إذا اجتمع المباشر والمسبب”: الأصل تقديم المباشر (الطبيب)، إلا إذا كان السبب (الخلل التقني) هو الغالب والمؤثر الذي لا يمكن دفعه، فينتقل الضمان للمسبب (المصنع/المبرمج).
  • الضمان التضامني: يمكن للقضاء الإسلامي المعاصر إقرار “المسؤولية التضامنية”، حيث يشترك الجميع في الدية أو التعويض بنسب متفاوتة يحددها أهل الخبرة (أهل الذكر)، امتثالاً لقوله تعالى: “فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”.

خامساً: الحلول الفقهية المقترحة لحماية المريض والطبيب

لضمان عدم ضياع حق المريض (الذي هو المقصد الأول) وعدم عزوف الأطباء والمبتكرين عن التقدم العلمي، نقترح الآتي:

1. التأمين المهني الشامل: إيجاد صناديق تكافلية تشارك فيها شركات البرمجة والمصانع والمستشفيات، لتغطية الأخطاء التقنية المعقدة.

2. الإذن المتبصر: ضرورة إعلام المريض بأن الجراحة ستتم بواسطة روبوت، وتوضيح المخاطر التقنية المحتملة، فـ “الإذن يسقط الضمان” في حالات الخطأ غير المقصود إذا اتُبعت الأصول.

3. التوثيق الرقمي (الصندوق الأسود): وجوب وجود سجل رقمي لكل حركة يقوم بها الروبوت وكل قرار يتخذه الذكاء الاصطناعي، لتسهيل عملية “القضاء الرقمي” في تحديد المخطئ بدقة.

الخلاصة

إن الجراحة الروبوتية والذكاء الاصطناعي نعمٌ سخرها الله لخدمة البشرية، لكنها تتطلب وعياً فقهياً متجدداً. إن مناط الضمان في هذه المنظومة يدور مع “التقصير” و”الإخلال بالأمانة”. فالطبيب ضامن لإدارته، والمصنع ضامن لآلته، والمبرمج ضامن لمنطقه الخوارزمي. وبذلك، يحفظ الإسلام النفس البشرية من الضياع بين براثن التكنولوجيا، ويضمن استمرار مسيرة التقدم الطبي تحت مظلة العدالة الإلهية.

نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يوفق علماءنا وأطباءنا لما فيه خير البلاد والعباد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *