إن المتدبر في محكم التنزيل، يدرك أن القرآن الكريم قد أرسى دعائم المسؤولية الفردية في الإسلام على أسس من العدل الإلهي المطلق، حيث لا يغني نسبٌ عن عمل، ولا يشفع فضلُ الآباء في تقصير الأبناء. وتتجلى هذه الحقيقة الكبرى في قوله سبحانه وتعالى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة:134]؛ فهي آيةٌ تقطع دابر الاتكال على الأمجاد الغابرة، وتدعو المرء ليكون صانعاً لتاريخه بامتثاله للحق وسلوكه سبيل الهدى.
سياق النزول: إبطال دعاوى الافتخار بالأنساب
جاءت هذه الآية الكريمة في سياق الرد على ادعاءات اليهود وغيرهم ممن تفاخروا بالانتساب إلى الأنبياء والصالحين مع مخالفة منهجهم وعدم سلوك سبيلهم، فاليهود كانوا كلما ذكرت محمدةٌ لإبراهيم وبنيه انتحلوها لأنفسهم وتفاخروا بها على غيرهم حتى ظنهم الناس أنهم هداة آبائهم وإن لم يهتدوا بهديهم، فردّ الله سبحانه وتعالى قولهم وقول غيرهم ممن كانوا يتفاخرون بأنهم سلالة إبراهيم وإسماعيل ولا يعملون عملهم ولا يسلكون مسلكهم وكانوا يحسبون مجرد النسب يكسبهم شرفاً وذكراً عند الله فقال: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (أبو زهرة، 1/420).
إن الإشارة إلى هذه الجماعة الفاضلة من الأنبياء كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب -عليهم السلام- وذريتهم الذين اهتدوا بهديهم وقبسوا من نور الله بوصيتهم، تقترن بوصف {قَدْ خَلَتْ} أي مضت، وصارت في عبر التاريخ لهم ما كسبوه من خير فيكون عند الله جزاؤه.
ميزان العدل: شرف الاتباع لا مجرد الانتساب
إن الخطاب القرآني يتوجه للأمم المعاصرة للرسالة المحمدية، ليوضح أن القرب من الله سبحانه وتعالى مناطه العمل والامتثال. وعليكم معشر العرب أن تقتدوا بإبراهيم وتأخذوا بوصيته وأن تعبدوا إلهاً واحداً هو الله جلّ جلاله إن كنتم تنتمون إليه، فتجمعون بين شرف النسب وشرف الاتباع، والنسب وحده لا يغني فتيلاً من غير اتباع، وكذلك أنتم معشر اليهود ليس لكم أن تفخروا بأن هؤلاء آباؤكم وتلحقوا تاريخهم بتاريخكم، إلا أن تتبعوهم في الإخلاص لله رب العالمين والإسلام له، وإلا كنتم الخارجين عليهم المحاربين لمآثرهم وإن لم تجدّوا في اتباعهم فلكم جزاء فعلكم (أبو زهرة، 1/420).
ولذا قال تعالى: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} أي لها ما كسبته مكسوباً إليها بقدره محسوباً لها في اليوم الآخر بجزائه، ويتضمن قوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} الجزء لهذا الكسب وهو خير {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} إن عملتم مثل عملهم واتبعتم هديهم وأخذتم بوصيتهم، وكانت لكم شعاراً ودثاراً تتحلون به، وهذا حثّ على الاقتداء ودعوة إليه، فإن تجانفوا الإثم وتخالفوا الوصية فعليكم إثم ما تفعلون.
استقلال التبعة والجزاء في التصور القرآني
يقرر القرآن مبدأً صارماً في الحساب، حيث لا تزر وازرة وزر أخرى، ولا ينفع المرء إلا سعيه. وإنكم لستم مسؤولين عن أفعالهم إن خيراً أو شراً فكذلك ليس لكم أن تدعوا أن عملهم عملكم ونسبهم نسبكم؛ لأنّكم انفصلتم بعملكم عنهم، ولذا قال تعالى: {وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وكذلك لا يكفيكم عملهم، إن خيراً فخيره لهم إلا تكونوا قد عملتهم مثل عملهم ولا تزر وازرة وزر أخرى.
إنَّ ملة إبراهيم عليه السّلام هي التوحيد، والطهارة من الوثنية هي لبّ الدين اصطفاه الله لنا، وهي الحق الذي لا ريب فيه، وهي مقياس الحق الذي يتميز به من الباطل، فمن آمن بها فقد اهتدى، ومن خالفها فقد ضل وغوى. وأهل الكتاب الذين حرفوا القول عن مواضعه وغيروا وبدلوا وخرجوا عن المنهاج وتركوا ملة إبراهيم يزعمون أن ما عندهم حق وهداية، فضلّت أفهامهم، وزعم اليهود أن في يهوديتهم السلامة وزعم النصارى بنصرانيتهم الوثنية أنّها الهداية وكلٌ في غيّهم يعمهون (أبو زهرة، 1/421).
الدروس المستفادة من الآية الكريمة:
- عالمية المسؤولية: كل إنسان رهين عمله، والنجاة الأخروية مرتبطة بالإيمان والعمل الصالح الفردي.
- إبطال العصبية: الإسلام لا يعترف بالتفاخر بالأنساب إذا خلت من الاقتداء بالصالحين في تقواهم.
- جوهر ملة إبراهيم: التوحيد الخالص هو الميزان الذي توزن به الأقوال والأفعال.
- الحث على المبادرة: الآية تدفع المؤمن للعمل والاجتهاد بدلاً من التغني بأمجاد الماضي.
الخاتمة:
إن في قوله سبحانه وتعالى {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} تذكيراً دائماً بأن التاريخ لا يعيد نفسه بالوراثة، بل بالاتباع والعمل. فنسأل الله عز وجل أن يرزقنا حسن الاقتداء بأنبيائه، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يثبتنا على ملة إبراهيم حنيفاً، وما كان من المشركين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً