فقه الوفاء في توزيع الميراث: من لم يشكر الناس لم يشكر الله

فقه الوفاء في توزيع الميراث: من لم يشكر الناس لم يشكر الله

فقه الوفاء في توزيع الميراث: من لم يشكر الناس لم يشكر الله

إنَّ الشريعة الإسلامية الغرّاء لم تكن يوماً مجرد نصوصٍ جامدة، بل هي منظومةٌ متكاملةٌ تجمع بين دقة الأحكام القانونية وسمو الأخلاق الإنسانية. ومن أسمى تجليات هذا التمازج ما نراه في أحكام الميراث والامتنان، حيث يلتقي الحق الشرعي بفضيلة العرفان، مما يضمن صيانة الحقوق وطمأنينة النفوس في آنٍ واحد.

الضوابط الشرعية في قسمة التركات

أوضح فضيلة الدكتور منذر قحف، الخبير المشهود له في فقه الاقتصاد الإسلامي، حكماً جلياً في مسألةٍ تعترض الكثير من الأسر؛ ففي حال انتقلت امرأة إلى جوار ربها سبحانه وتعالى، وتركت عقاراً أو مالاً مسجلاً باسمها، ولم تترك والدين على قيد الحياة، ولم يقم دليلٌ قاطعٌ على أنها وهبت هذا المال لشخصٍ بعينه في حياتها، فإن هذا المال يُعدُّ تركةً شرعية.

وفي هذه الحالة، يجب أن تخضع القسمة لميزان الوحي الذي لا يظلم مثقال ذرة، حيث يتم توزيع التركة بين الورثة المستحقين وفقاً للقاعدة القرآنية المحكمة:

  • {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ} [سورة النساء: 11].

هذا هو الأصل الذي لا يُعدل عنه إلا برضا وطيب نفس، وهو الضمانة الإلهية لتحقيق العدالة المادية بين الورثة.

مقام الإحسان والاعتراف بالفضل

بيد أنَّ الإسلام، بروحانيته العالية، يفتح آفاقاً أرحب من مجرد استيفاء الحقوق. فإذا وجد الورثة أنَّ أحدهم قد انبرى لسنوات طوال، باذلاً من وقته وجهده وماله في سبيل صيانة هذا العقار، أو استمر في تقديم التضحيات الجسام لرعاية إخوته وأخواته، فإن مقتضى المروءة والدين يحتم الالتفات إلى هذا الصنيع.

إنَّ الاعتراف بفضل هذا الوارث وتكريم جهوده يندرج تحت باب الإحسان الذي ندب إليه الشرع الحنيف. وقد رسخ نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ الأخلاقي العظيم بقوله:

  • "مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللهَ" (صلى الله عليه وسلم).

فالشكر لله سبحانه وتعالى لا يكتمل إلا بتقدير الوسائط والبشر الذين أجرى الله الخير على أيديهم.

ثمرات الجمع بين الحق والفضل

إنَّ استحضار قيم أحكام الميراث والامتنان في التعاملات الأسرية يؤدي إلى نتائج إيمانية واجتماعية عميقة، منها:

  • توطيد أواصر الرحم: حين يشعر المحسن أن فضله مقدر، تزداد المحبة وتزول الشحناء.
  • إرساء قيم العدالة الأخلاقية: التنازل الطوعي عن جزء من الميراث لصالح من بذل وصان هو قمة النبل.
  • نيل رضا الله عز وجل: فالجمع بين امتثال الأمر الشرعي وإكرام عباد الله هو سبيل المتقين.

الخاتمة: دعوة إلى التسامح والعرفان

خلاصة القول، إنه لمن مكارم الأخلاق وجميل الشيم أن يتنازل الورثة طواعيةً عن جزءٍ من أنصبتهم لفائدة ذلك الفرد الذي تفانى في الخدمة والبذل، اعترافاً بجميله ومكافأةً لإحسانه. إنَّ هذا المسلك لا ينقص من الحق شيئاً، بل يباركه ويجعله ذخراً في الدنيا والآخرة.

نسأل الله عز وجل أن يهدينا سبل الرشاد، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يملأ بيوت المسلمين بالعدل والمودة والوفاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *