مقدمة: في محراب النعمة الموفورة
حين يقف المؤمن المتأمل في محراب حياته المعاصرة، يجد نفسه محاطاً بفيض من النعم التي تيسر سبل العيش، مما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مفهوم التيسير في الإسلام: لماذا قد يختار البعض مسالك المشقة والعنت في حين أن الله سبحانه وتعالى قد فتح لنا أبواب السعة والرفاهية؟ إن وقفة قصيرة أمام خزائن الطعام في بيوتنا، الممتلئة بأصناف الثمار والمنتجات، كفيلة بأن تثير في النفس لواعج الشكر (Shukr) لله عز وجل، فنحن نعيش في عصر أضحى فيه اليسر والسرعة والراحة هي الأصل الأصيل، لا الاستثناء النادر.
فيض النعم وسعة العيش: قراءة في واقعنا المعاصر
إن تأملنا في سهولة الحصول على القوت اليومي في عصرنا هذا يكشف عن نعمٍ جليلة:
- وفرة الموارد: تحول المكونات البسيطة إلى مائدة حافلة في أقل من ساعة زمنية.
- تذليل المشاق: ما كان يتطلب قديماً كدحاً بدنياً مضنياً وسفراً طويلاً، بات اليوم طوع بناننا بجهد يسير.
- البركات التقنية: نعمٌ حاضرة بلمسة إصبع؛ من إضاءة تنير غياهب الليل، إلى وسائط نقل تطوي المسافات، ووسائل اتصال تربطنا بالعالم أجمع.
إن هذا التيسير ليس مجرد ترف، بل هو محض فضل من الله عز وجل الذي جنّبنا مشقة الأوائل، وهو ما يستوجب شكراً لا ينقطع، ليس على النعمة فحسب، بل على تيسير نيلها أيضاً.
عبرة من التاريخ: بنو إسرائيل وفتنة استبدال الأدنى بالذي هو خير
لعل من أبلغ الدروس في فهم الخطر الروحي للإعراض عن التيسير الإلهي، ما قصّه القرآن الكريم عن بني إسرائيل بعد نجاتهم من فرعون. فقد أنزل الله سبحانه وتعالى عليهم طعاماً سماوياً هنيئاً مريئاً لا كدّ فيه ولا نصب:
- المنّ والسلوى: طعامٌ رباني جاهز، يمثل قمة الرعاية الإلهية.
لكنهم، وبدلاً من الاستغراق في شكر هذه الخصوصية، استبد بهم السأم والضجر، وطالبوا بالعودة إلى حياة الكدح والزراعة المجهدة في مصر. وقد خلد القرآن الكريم هذا المسلك الجاحد في قوله تعالى:
"وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ" (سورة البقرة: 61).
لقد تعجب نبي الله موسى عليه السلام من حالهم؛ كيف يستبدلون هبةً إلهية بغير جهد، بخضروات تتطلب الحرث والزرع والحصاد؟ وقد أشار الإمام الحسن البصري رحمه الله إلى أنهم اشتهوا أطعمة هي أدنى مما هم فيه لمجرد الملل، فاختاروا حياة الشقاء وأضاعوا خصوصية الإكرام الإلهي.
مقاصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج
إن قبول التيسير الذي وهبه الله سبحانه وتعالى ليس دليلاً على الكسل، بل هو سمة "العبد الشكور". وقد أرشدنا النبي محمد صلى الله عليه وسلم إلى أن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.
وفي هذا السياق، تبرز القاعدة الفقهية العظيمة المستمدة من محكم التنزيل:
"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (سورة البقرة: 185).
كما أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله:
"إنَّ اللهَ يحبُّ أن تُؤتَى رُخَصُه، كما يكرَهُ أن تُؤتَى معصيتُه" (رواه أحمد).
فحين يفتح الله سبحانه وتعالى باباً للتيسير -سواء كان اختراعاً تقنياً يوفر الوقت أو رخصة شرعية ترفع الحرج- فإن الواجب هو ولوجه بقلب مفعم بالامتنان. إن رفض التيسير المشروع طلباً لمشقة ذاتية قد يقارب حد الكبر، وكأن العبد يحاول إثبات قدرةٍ تضاهي ما قدره الله له.
استثمار الوقت: الغاية الأسمى من الرفاهية الحديثة
إن الآلات المؤتمتة، وخطوط الإنتاج، وشبكة المعلومات العالمية، كلها تجليات لفضل الله عز وجل. قديماً كان الحصول على ثوب يتطلب أسابيع من الغزل والنسيج والخياطة، أما اليوم فالثياب الفاخرة متاحة في لحظات. هذا الوقت المدخر هو "المنحة الكبرى".
إن السؤال الذي يفرض نفسه: فيمَ نسخر هذا الوقت؟ إذا استخدمنا هذا التيسير لتفريغ جداولنا لمزيد من العبادة، وخدمة المجتمع، والتزكية النفسية، فقد حققنا الغاية من تلك النعمة.
يجب الحذر من النزعات المعاصرة التي تضفي صبغة القداسة على الماضي وتزدري التيسير الحديث بدعوى "الضعف الروحي". لا يصح أن نقع في فخ بني إسرائيل فنشتهي "العدس والبصل" لمجرد أننا سئمنا "المنّ والسلوى" الذي نعيشه.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
"لا بأسَ بالغِنَى لمنِ اتَّقَى، والصِّحَّةُ لمنِ اتَّقَى خيرٌ من الغِنَى، وطِيبُ النَّفسِ من النعيمِ" (رواه ابن ماجه).
خاتمة: شكر النعمة في عصر الوفرة
إن التيسير في الإسلام هو اختبار لمدى شكرنا، لا لمدى كسلنا. إن وجود الأجهزة الذكية والمركبات الفارهة والوسائل المريحة يجب أن يقابل بقلب دائم الذكر (Dhikr). فالله سبحانه وتعالى يقول:
"وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ" (سورة إبراهيم: 34).
لماذا نختار المشقة وقد منحنا الله السعة؟ الجواب اليقين: لا نختارها ما دام التيسير يقربنا إلى الله عز وجل. إن قصة بني إسرائيل تظل تحذيراً خالداً من "ملل النعمة". فلنجعل من عالمنا الميسر منطلقاً لأهداف روحية أسمى، ولننظر إلى بيوتنا وسياراتنا وتقنياتنا قائلين كما قال نبي الله سليمان عليه السلام:
"هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ" (سورة النمل: 40).
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا ممن يستعمل نعمك في طاعتك. آمين.



اترك تعليقاً