تعد اللحظة التي أزيح فيها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو عن السلطة بقرار أميركي نقطة تحول كبرى، ليس فقط لمستقبل كاراكاس، بل لشكل السياسة الدولية في القارة الأميركية بأكملها. لكن، وخلف المشاهد الدرامية للاعتقال أو الإطاحة، يبرز تساؤل جوهري يطرحه الدبلوماسي الأميركي السابق "خوان إس. غونزاليس" في تحليله بمجلة "فورين أفيرز": هل انتهت الأزمة حقاً، أم أن واشنطن تقف الآن على حافة مستنقع طويل الأمد؟
شبح العراق: فخ "المهمة المنجزة"
يعيدنا غونزاليس إلى مشهد شهير من عام 2003، حين وقف الرئيس بوش الابن تحت لافتة "تمت المهمة" معلناً النصر في العراق، ليتضح لاحقاً أن تلك كانت مجرد بداية لسنوات من الاستنزاف والتخبط.
اليوم، يحذر الكاتب من تكرار السيناريو نفسه في فنزويلا. فإزاحة رأس الهرم (مادورو) لا تعني بالضرورة تفكيك "النظام التشافيزي" المتجذر، والذي يعتمد على شبكات محسوبية معقدة، وولاءات عسكرية صلبة، ومصالح اقتصادية غير مشروعة. إن غياب بديل معارض قادر على توحيد الشارع الفنزويلي المنهك قد يحول "الانتصار التكتيكي" الأميركي إلى أزمة شرعية وفوضى أمنية.
"مبدأ دونرو": النفط والنفوذ في عهد ترامب
تتسم رؤية إدارة دونالد ترامب ووزير خارجيته ماركو روبيو تجاه فنزويلا بالصراحة والبراغماتية التي يصفها البعض بـ "النزعة الاتجارية" (Mercantilism). بالنسبة لهذه الإدارة، فنزويلا ليست مجرد ملف ديمقراطي، بل هي:
- كنز نفطي: الرغبة في السيطرة على أكبر احتياطيات نفط في العالم وتأمين عودة الشركات الأميركية مثل "شيفرون" و"كونوكو فيليبس".
- تصفية النفوذ الخصم: طرد الاستثمارات الصينية، والوجود العسكري الروسي، والتعاون الإيراني من "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة.
- إحياء عقيدة مونرو: ولكن بنسخة محدثة تُعرف بـ "مبدأ دونرو" (Don-roe Doctrine)، حيث تُغلب القوة الأحادية والحسم العسكري على الدبلوماسية التقليدية.
معضلة الشرعية والمنطق "الإمبريالي"
ينتقد المقال بذكاء التناقض في الموقف الأميركي؛ فبينما يصف غونزاليس نظام مادورو بـ "الإجرامي" و "غير الشرعي" بناءً على انتخابات 2024، فإنه يتجاهل السؤال الأخلاقي والقانوني الأهم: من أعطى واشنطن الحق في تقرير شرعية الأنظمة في دول ذات سيادة؟
هذا الاستعلاء، الذي يرى التدخل حقاً طبيعياً لحماية المصالح الأميركية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فالدول الكبرى في المنطقة مثل البرازيل والمكسيك وكولومبيا تنظر بريبة إلى هذا التدخل العنيف، مما قد يدفعها لمزيد من "التحوط" والتقارب مع قوى دولية أخرى مثل الصين لضمان توازن القوى.
لماذا لا يسقط النظام بسقوط مادورو؟
النظام الذي بناه هوغو تشافيز منذ عام 1999 ليس مجرد إدارة سياسية، بل هو هيكل هجين يجمع بين:
- المؤسسة العسكرية: التي لا تزال تسيطر على مفاصل الدولة ولم تُظهر انشقاقاً مؤسسياً كاملاً حتى الآن.
- الاقتصاد الموازي: شبكات تهريب، وتجارة بشر، ومصالح مالية مرتبطة بالنخبة الحاكمة.
- الإرث الأيديولوجي: الذي لا يزال يجد صدى لدى قطاعات من الشعب تخشى من "الاستعمار الأميركي" الجديد.
3 سيناريوهات محتملة لمستقبل فنزويلا
يرى غونزاليس أن الأمور قد تتجه نحو أحد المسارات التالية:
- الانتقال الديمقراطي المتفاوض عليه: وهو السيناريو الأفضل، حيث يتم التوافق على سلطة مؤقتة تكنوقراطية بضمانات دولية، مما يمهد لانتخابات حقيقية وإعادة بناء الاقتصاد.



اترك تعليقاً