فيلم نازا: حين تتصدع الأسطورة وينطق الشاهد من قلب الحصن

فيلم نازا: حين تتصدع الأسطورة وينطق الشاهد من قلب الحصن

فيلم نازا: حين تتصدع الأسطورة وينطق الشاهد من قلب الحصن

هل يمكن للكلمة أن تهزم الرصاصة؟ وهل تستطيع الصورة أن تخترق جداراً من الزيف شُيّد على مدار عقود؟ إن معركة الرواية في القضية الفلسطينية لم تعد اليوم حبيسة الأدوات التقليدية، بل انتقلت إلى ساحة أشد ضراوة، حيث باتت الحقيقة تخرج من أفواه صانعيها أنفسهم. لقد كان الفلسطيني مطالباً دوماً بتقديم صكوك معاناته ليصدقه العالم، أما اليوم، فإن فيلم نازا جاء ليقلب الطاولة، ويجعل من الشهادة الإسرائيلية الداخلية مسماراً جديداً في نعش السردية التي لا تُقهر.

زلزال الأخلاق وسقوط الأقنعة

مثلت أحداث السابع من أكتوبر 2023 زلزالاً عسكرياً، لكن الحرب التي تلتها فجرت بركاناً أخلاقياً وقانونياً لم تعد إسرائيل قادرة على احتوائه. لم يعد الجدل محصوراً في أروقة السياسة، بل انتقل إلى عمق المؤسسة العسكرية والحقوقية الإسرائيلية. وهنا يبرز فيلم نازا (NAZA) للمخرجين يوفال أبراهام وراشيل سور، كجبهة سينمائية تفتح نار الأسئلة على مطبخ القرار.

تستمد هذه الشهادة قوتها من قاعدة "وشهد شاهد من أهلها"؛ فالفيلم لا يقدم سردية عاطفية، بل يستند إلى حقائق صلبة:

  • 24 شهادة حية: جمعت سراً على مدار ثلاث سنوات من ضباط استخبارات وعسكريين إسرائيليين.
  • كواليس القرار: يسلط الضوء على أنظمة المراقبة واختيار الأهداف باستخدام الذكاء الاصطناعي.
  • المسؤولية القانونية: ينتقل بالنقاش من مجرد رصد الضحايا إلى مساءلة من اتخذ القرار وكيف تمت صياغته.

نازا.. حين يصبح الإنسان رقماً في خوارزمية

يحمل عنوان الفيلم "نازا" دلالة موغلة في القسوة؛ فهو مصطلح عسكري إسرائيلي يشير إلى العدد المتوقع للضحايا المدنيين عند التخطيط لأي ضربة. في هذا العالم الرقمي البارد، يتحول الطفل والشيخ والمرأة إلى "ضرر جانبي" محسوب بدقة قبل ضغطة الزناد.

إنها "بيروقراطية القوة المميتة"، حيث تبدأ الرحلة ببيانات ضخمة، تمر عبر خوارزمية صماء، لتنتهي بقنبلة تسحق حياً سكنياً. ورغم التطور التكنولوجي، يظل القانون الدولي الإنساني ثابتاً في مبادئه:

  1. التمييز: القدرة على التفريق بين المقاتل والمدني.
  2. التناسب: ألا تتجاوز الخسائر المدنية الميزة العسكرية المتوقعة.
  3. الاحتياط: اتخاذ كل التدابير الممكنة لتجنب إيذاء الأبرياء.

إن التكنولوجيا في فيلم نازا لا تعفي البشر من المسؤولية؛ فالخوارزمية لا تملك ضميراً، ومن يغذيها بالبيانات أو يعتمد مخرجاتها هو المسؤول الأول أمام محكمة التاريخ والقانون.

جدار الصمت الذي تهاوى

لم يكن فوز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية مجرد تكريم فني، بل كان اعترافاً دولياً بأن النقاش حول غزة انتقل إلى الوجدان الثقافي العالمي. وما يزيد من خطورة هذا العمل أنه لا يأتي منفرداً، بل يتقاطع مع أصوات حقوقية إسرائيلية أخرى، مثل تقرير منظمة "بتسيلم" الصادر في سبتمبر 2026، والذي فكك منظومة "مشروع الإزالة" في الضفة الغربية مستنداً إلى أكثر من 2000 شهادة.

هذا الحراك الداخلي يطرح تساؤلاً جوهرياً: لماذا ينطق هؤلاء الآن؟

  • الوازع الأخلاقي: صحوة ضمير أمام هول الدمار.
  • الخوف على المستقبل: إدراك أن استمرار الاحتلال يقوض أمن المجتمع الإسرائيلي نفسه.
  • الحق في المعرفة: كسر احتكار الرواية الرسمية وتعرية سياسات الإفلات من العقاب.

الخاتمة: شقوق في جدار المستحيل

إن الدول لا تنهار في لحظة، بل تتآكل شرعيتها ببطء، نقطة تلو أخرى. فيلم نازا ليس حكماً قضائياً مبرماً، لكنه يمثل شرخاً عميقاً في جدار الرواية التي صُورت يوماً كـ "الجيش الأكثر أخلاقية". إن تآكل الشرعية الدولية قد لا يغير موازين القوى العسكرية غداً، لكنه يزرع بذور المساءلة التي لا يمكن تأجيلها إلى الأبد. لقد أثبت هذا الفيلم أن الحقيقة، مهما حوصرت بالخوارزميات والرقابة، ستجد دائماً ثقباً في الجدار لتخرج منه، حاملة معها ملامح فجر جديد من العدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *