قبل أن توصد أبواب الجنان: في فضيلة بر الوالدين واغتنام الفرص

قبل أن توصد أبواب الجنان: في فضيلة بر الوالدين واغتنام الفرص

قبل أن توصد أبواب الجنان: في فضيلة بر الوالدين واغتنام الفرص

إنَّ أبواب الجنان مشرعةٌ لطلابها، ممهدةٌ لسالكيها، تفتح ذراعيها لكل من ابتغى مرضاة الله سبحانه وتعالى بعملٍ خالصٍ لا تشوبه شائبة رياء، ولا يكدّره مَنٌّ ولا أذى. بيدَ أنَّ في هذه الأبواب بابين عظيمين، الدخول منهما ميسورٌ لمن وفقّه الله، والظفر بهما غنيمةٌ باردة في متناول اليد، لا يحول بين العبد وبينهما إلا وهنُ العزيمة أو ركون النفس إلى التكاسل والتسويف؛ إنهما الوالدان.

الوالدان.. بوابتان إلى الفردوس في مهبّ الزوال

إنَّ بر الوالدين ليس مجرد فضيلة أخلاقية، بل هو بابٌ ملكيٌّ إلى رضوان الله عز وجل. وعلى خلاف أبواب الجنة الأخرى التي قد تبقى مفتوحة بعموم الأعمال، فإنَّ هذين البابين لهما أمدٌ معلوم وتوقيتٌ محتوم، يُغلقان برحيل أحد الوالدين أو كليهما.

إنَّ من لم يستثمر وجودهما في حياته، فقد عرّض نفسه لخسارةٍ لا تُجبر، فالموت قد يختطفهما بغتة، أو يتسلل إليهما بوهن الكبر، بل ربما يسبق العبدُ والديه إلى المنون، فتضيع فرصة البر التي كانت بين يديه.

غصة الفقد وعبرة الرحيل

لقد تجرعتُ مرارة الفقد مرتين؛ فبعد سبع سنوات من رحيل الأم الغالية، لَحِق بها الأبُ الكريم، ولكل منهما في القلب منزلة لا يضاهيها شأن. ولا يستطيع ذو لبٍّ أن يمايز بين فقد أحدهما، فكلاهما ركنُ الدار وعماد الروح، لا سيما حين يبلغان من الكبر عتياً. ويكفي المرءَ استشعاراً لعظم قدرهما أنَّ الشارع الحكيم جعلهما سبباً لدخول الجنة عبر الإحسان إليهما فور بلوغ المرء سن الرشد والوعي.

لقد شاهدتُ في الأيام الأخيرة لوالدي -رحمه الله- من كبد المعاناة ما لا يعلم مداه إلا الله سبحانه وتعالى. عاينتُ جسداً أنهكه المرض، وأحاطت به الأنابيب والأجهزة الطبية من كل جانب، ودخل في دوامة العناية الفائقة حيث يغدو الطبُّ في حيرة من أمره أمام نفاذ القدر.

بين عجز الطب ونفاذ المقدور

رأيتُ تدهور الحالة الصحية وكأن الجسد صار ميداناً لمحاولات الأطباء في دفع الضرّ بما أوتوا من عقاقير ومسكنات، ولكن إذا نزل القدر عمي البصر. بدأت الكلى في التوقف، واحتبست السوائل، وأخذ القلب الذي نبض بجدّ واجتهاد لثمانية عقود يئنُّ تحت وطأة الالتهابات وضغوط السوائل.

لقد كان المشهدُ ناطقاً بأنَّ قدرة البشر لها حدود، وأنَّ الجسد القوي الذي لم يعرف الكلل طوال سبعة عقود، انهار سريعاً في عقده الثامن. وحين توقف النبض، كان القرارُ ألا يُعرّض هذا الجسد المنهك لقسوة الصدمات الكهربائية، فما نفع دقائق معدودة لقلبٍ فارق صاحبه الوعي وأصبح قاب قوسين أو أدنى من الدار الآخرة؟ لقد قُضي الأمر، وحانت الساعة التي كُتبت في الصحف والوالدُ -رحمه الله- لا يزال جنيناً في بطن أمه.

البر: ميثاقٌ غليظ وكنزٌ ثمين

إنَّ الوالدين كنزٌ لا يعرف قيمته الحقيقية الكثيرون إلا بعد فوات الأوان، حين لا ينفع ندم. ومن هنا يتجلى أنَّ بر الوالدين وبذل الغالي والنفيس في سبيلهما هو أدنى الواجبات.

  • المبادرة بالوصل: من كان والداه على قيد الحياة، فليغتنم كل لحظة في خدمتهما، فالبر في حياتهما أيسر وأعظم أثراً.
  • تحدي النسيان: بعد الرحيل، يصبح البر أصعب؛ لأن مشاغل الدنيا وضغوطها قد تُنسي العبدَ تعهدهما بالدعاء والصدقة.
  • الحكمة في الاستمرار: الحكيم هو من يقاوم نسيان الموتى ويطيل أمد بره بوالديه حتى بعد مواراتهما الثرى.

خاتمة: العمل للدار الباقية

إنَّ الدنيا أيامٌ معدودات، والعاقل من عمل لآخرته كأنه يموت غداً، وجعل بر الوالدين على رأس قائمة أعماله الأخروية، مع سعيه في دنياه بما يصلح شأنه. لا تغرنك الدنيا بزخرفها، فكل حطامها لا يزن عند الله جناح بعوضة إذا فُقدت النجاة في الآخرة.

يقول الله سبحانه وتعالى: {وإن الدار الآخرة لهي الحيوان} (العنكبوت : 64)، فهي الحياة الحقيقية الدائمة التي تستحق النصب والعمل. فاللهم ارحم موتانا وموتاكم، واغفر لآبائنا وأمهاتنا، وأحسن خاتمتنا في الأمور كلها. آمين يا رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *