كواليس الدبلوماسية السرية: كيف تطورت المفاوضات الإيرانية الأمريكية من الرسائل المشفرة إلى الحوار شبه المباشر؟

كواليس الدبلوماسية السرية: كيف تطورت المفاوضات الإيرانية الأمريكية من الرسائل المشفرة إلى الحوار شبه المباشر؟

ممرات خلفية: تاريخ من القطيعة والتواصل الحذر

لم تكن المفاوضات الإيرانية الأمريكية يوماً رحلة اعتيادية في أروقة الدبلوماسية العلنية؛ بل هي مسار شائك شق طريقه عبر ممرات خلفية وقنوات سرية على مدار عقود. فمنذ عام 1980، تاريخ القطيعة الرسمية التي أعقبت الثورة الإسلامية واقتحام السفارة الأمريكية في طهران، تحولت العلاقة بين الخصمين إلى سلسلة من الرسائل غير المعلنة والوساطات الإقليمية، حيث لعبت أطراف ثالثة، وفي مقدمتها سلطنة عُمان والجزائر وسويسرا، أدواراً محورية في منع الانفجار الكامل وتهيئة الأرضية للتفاهمات.

جذور الصراع: من الثورة إلى أزمة الرهائن

بدأت الحكاية في عام 1979، حين أطاحت الثورة الإسلامية بنظام الشاه، ليعود آية الله الخميني من منفاه معيداً رسم ملامح الدولة. وسرعان ما تفجرت الأزمة الكبرى باحتجاز 53 دبلوماسياً أمريكياً لمدة 444 يوماً. ورغم فشل محاولات الإنقاذ العسكرية الأمريكية، نجحت الوساطة الجزائرية في يناير 1981 في التوصل لاتفاق أدى للإفراج عن الرهائن مقابل شروط شملت الإفراج عن الأموال المجمدة والتعهد بعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

حقبة الثمانينيات والتسعينيات: عداء معلن وتواصل سري

شهدت الثمانينيات ذروة العداء، حيث وسمت طهران واشنطن بـ “الشيطان الأكبر”. ومع ذلك، لم تخلُ هذه الحقبة من ثغرات سرية، مثل فضيحة “إيران-كونترا” التي كشفت عن قنوات تواصل محدودة. ومع وصول الرئيس محمد خاتمي عام 1997، لاح بريق أمل عبر خطاب “حوار الحضارات”، إلا أن الموقف الأمريكي ظل متحفظاً، مكتفياً بتبادل رسائل شفهية عبر وسطاء، دون الانتقال إلى طاولة المفاوضات المباشرة.

منعطفات الألفية: بين “محور الشر” و”العرض الكبير”

شكلت هجمات 11 سبتمبر 2001 لحظة فارقة؛ حيث تعاونت طهران وواشنطن بشكل غير مباشر في الملف الأفغاني. لكن هذا التقارب تبخر سريعاً بعد تصنيف الرئيس جورج بوش لإيران ضمن “محور الشر” في 2002. ورغم تقديم إيران لما وصف بـ “العرض الكبير” في 2003 لمناقشة كافة الملفات الشائكة، إلا أن واشنطن اختارت حينها سياسة التجاهل والضغط، مما دفع البرنامج النووي الإيراني ليتصدر واجهة التوتر الدولي.

عهد أوباما: كسر الجمود والوصول إلى الاتفاق النووي

أحدث وصول باراك أوباما للبيت الأبيض عام 2009 تحولاً جذرياً بتبنيه نهج “الانخراط الدبلوماسي”. وبين عامي 2012 و2013، احتضنت مسقط قناة محادثات سرية للغاية بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، مهدت الطريق للتوقيع التاريخي على “الاتفاق النووي” عام 2015. تلك الحقبة شهدت أول مصافحة علنية بين وزيري خارجية البلدين، جون كيري ومحمد جواد ظريف، في مشهد كسر عقوداً من الجليد الدبلوماسي.

عهد ترامب والضغط الأقصى: العودة إلى المربع الأول

لم يدم الانفراج طويلاً؛ ففي عام 2018، انسحب الرئيس دونالد ترامب من الاتفاق النووي منتهجاً سياسة “الضغط الأقصى”. هذا التحول أعاد المفاوضات الإيرانية الأمريكية إلى نقطة الصفر، واستعادت قنوات الوساطة في قطر وعُمان دورها لنقل الرسائل وسط تصعيد عسكري بلغ ذروته مع اغتيال قاسم سليماني في 2020، وهو الحادث الذي تم احتواء تداعياته عبر قنوات تواصل غير معلنة أدارتها سويسرا ودول خليجية.

المشهد الراهن: نحو حوار منتظم في عام 2025

مع استلام إدارة بايدن السلطة في 2021، استؤنفت محاولات إحياء الاتفاق النووي في فيينا، ولكن بصيغة “المكوك الدبلوماسي” حيث تفصل الغرف بين الوفدين. وبحلول عام 2025، تشير التقارير إلى تطور ملموس في مسار المفاوضات، حيث أصبح الحوار شبه مباشر ومنتظم في عواصم مثل مسقط وروما. ورغم استمرار الحذر، فإن اللقاءات المرتقبة، مثل لقاء مبعوث الرئيس الأمريكي ستيف ويتكوف مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تؤكد أن الدبلوماسية، وإن ظلت “غير مباشرة” رسمياً، قد انتقلت إلى مرحلة أكثر كثافة وجدية في محاولة لرسم خارطة طريق جديدة للاستقرار الإقليمي.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *