# ترتيب الأولويات: كيف تستعيد بوصلة حياتك قبل فوات الأوان؟
إن المتأمل في أحوال الأمة اليوم، والناظر في تفاصيل حياة الكثير من المسلمين، يدرك أننا نعيش أزمة حقيقية في مفهوم “الاهتمامات”. إنها مأساة حين نرى العقول التي شرفها الله بحمل الرسالة قد انشغلت بتوافه الأمور، وفاجعة حين نرى القلوب التي جُبلت على حب الله ورسوله قد استُهلكت في صراعات وهمية وعلاقات محرمة ومتابعات لا تسمن ولا تغني من جوع.
واقعنا المؤلم: في أي شيء نفكر؟
حين نستيقظ من نومنا، ما هو الهاجس الأول الذي يطرق أبواب عقولنا؟ هل هو مرضاة الله؟ هل هو السعي لرفعة هذا الدين؟ أم أن همومنا انحصرت في إشعارات الهواتف، ومتابعة أخبار المشاهير، وتتبع عورات الناس على منصات التواصل الاجتماعي مثل “فيسبوك” و”واتساب”؟
إن الكثير من شبابنا وفتياتنا اليوم قد غرقوا في بحار من التفاهات التي لا تليق بمقام المسلم. لقد أصبحت الاهتمامات تنصب حول علاقات الحب المحرمة، وتتبع أخبار المغنيين واللاعبين، وضياع الساعات الطوال في جدال عقيم أو لهو مذموم. إن هذا الانحدار في الاهتمامات هو الكارثة الحقيقية التي تستنزف طاقات الأمة وتجعلها في ذيل القافلة.
المساءلة الكبرى: الأسئلة الأربعة يوم القيامة
يجب أن ندرك يقيناً أننا لسنا مخلدين، وأن كل لحظة تمر من أعمارنا هي جزء منا يذهب ولا يعود. لقد لخص لنا النبي صلى الله عليه وسلم مشهد الحساب العظيم في كلمات جامعة مانعة، تضعنا أمام مسؤوليتنا التاريخية والشخصية. روى ابن حبان والترمذي في جامعه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ أَخَذَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ».
تأمل في هذه الأسئلة بدقة:
1. العمر: هذا الوعاء الزمني الذي نملكه، هل أفنيناه في طاعة أم في معصية؟
2. الجسد: هذه القوة والحيوية، هل أبليناها في السجود والعمل الصالح، أم في السهر أمام الشاشات والمعاصي؟
3. العلم: ما تعلمناه من قرآن وسنة وأحكام، هل كان حجة لنا أم علينا؟
4. المال: من أين اكتسبناه؟ وفي أي وجه أنفقناه؟
هل أعددنا لهذه الأسئلة جواباً؟ وهل سيكون الجواب صواباً؟
دراسة جدوى للعمر: ربح أم خسارة؟
في عالم التجارة، يحرص التجار على عمل “دراسة جدوى” لكل مشروع، ويقومون بعمل كشوف حسابات دورية لمعرفة الأرباح والخسائر. أليس من باب أولى أن نجري دراسة جدوى لأعمارنا؟
إننا بحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس لنعرف: أين تذهب نفقاتنا الزمنية؟ وهل نحن في حالة ربح إيماني أم خسارة دنيوية؟ إن التقوى الحقيقية تقتضي أن نحافظ على شبابنا، ونوجه طاقاتنا نحو طاعة الله، طمعاً في أن نكون من الفئة المختارة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «سبعةٌ يظلُّهمُ اللَّهُ في ظلِّهِ يومَ لا ظلَّ إلَّا ظلُّهُ – وذكر منهم – وَشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ اللَّهِ» (رواه البخاري).
فيا أيها الشاب، ويا أيتها الفتاة، هل نشأت في عبادة الله؟ أم نشأت في ملاحقة الموضة والمسلسلات؟ هل قضيت ليلك في مناجاة خالقك وجمع الحسنات، أم قضيته في “الشات” والمكالمات التي لا ترضي الله؟ هل كان نهارك في خدمة دينك وأمتك، أم في ملاحقة أخبار الفنانين والفنانات؟
أزمة الهموم: همُّ الدنيا أم همُّ الآخرة؟
لقد تشعبت بنا الهموم، وأصبحنا نحزن لأتفه الأسباب. هل همنا هو لون الثياب وتناسق الحقيبة؟ هل همنا محصور في الوظيفة والزواج وطلب الرزق المادي فقط؟ إن هذه الأمور وإن كانت مباحة، إلا أنها لا ينبغي أن تكون هي “الهم الأكبر”.
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن جعلَ الهمومَ همًّا واحدًا؛ همَّ آخرتِهِ، كفاهُ اللَّهُ همَّ دُنْياهُ، ومَن تشعَّبت بِهِ الهمومُ في أحوالِ الدُّنيا لم يبالِ اللَّهُ في أيِّ أوديتِها هلَكَ» (رواه ابن ماجه).
حين تجعل همك هو إرضاء الله ونصرة دينه، يجمع الله لك شملك، ويجعل غناك في قلبك، وتأتيك الدنيا وهي راغمة. أما إذا تفرقت بك الهموم في أودية الدنيا، فستظل في قلق وتيه لا ينتهي.
درس من التاريخ: سقوط الأندلس وسقوط الاهتمامات
إن التاريخ لا يحابي أحداً، وسقوط الأمم يبدأ دائماً بسقوط اهتمامات أفرادها. تحكي لنا كتب التاريخ قصة رمزية عميقة جرت قبل سقوط الأندلس؛ حيث أرسل الأعداء جاسوساً ليرصد حال المسلمين. وجد الجاسوس شاباً يبكي على الشاطئ، فسأله عن السبب، فقال الشاب: “غلبني شاب مثلي في الرماية ولم آخذ المركز الأول”. عاد الجاسوس وقال لقومه: “لا تقدرون عليهم الآن، فهم لا يزالون أقوياء الهمة”.
وبعد سنوات، عاد الجاسوس نفسه، فوجد شاباً يبكي على الشاطئ أيضاً، لكن السبب كان مختلفاً! قال الشاب: “هجرتني حبيبتي”. هنا أسرع الجاسوس إلى قومه وقال: “الآن تقدرون عليهم”. وبالفعل، سقطت الأندلس سريعاً حين استبدلت الرماية والجهاد بالشهوات والتفاهات.
إننا اليوم نُطعن بنفس السلاح؛ سلاح الشهوات وتغييب الوعي وتغيير الاهتمامات. فمتى نفيق؟
خارطة طريق للتغيير: كيف نستغل ما تبقى؟
قبل أن يدركنا الندم حين لا ينفع الندم، وقبل أن نقول كما ذكر الله في كتابه: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: 24]، يجب أن نبدأ فوراً في تغيير مسارنا. إن الحياة الحقيقية هي حياة الطاعة، والاستثمار الحقيقي يكون في:
1. طلب العلم الشرعي: فالعلم نور يبصرك بطريق الحق.
2. حفظ القرآن الكريم: والعيش في رحاب آياته وتدبرها.
3. عمارة الأوقات بالطاعات: من صيام وقيام ليل وذكر دائم.
4. الدعوة إلى الله: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة.
5. خدمة المجتمع: معاونة الضعفاء، زيارة المرضى، ومجالسة الصالحين الذين يدلونك على الله.
إن رمضان وغيره من مواسم الطاعات هي فرص ذهبية للانطلاق والتغيير، فاجعل من حياتك مشروعاً ناجحاً يفتخر به الإسلام.
تطبيق عملي: كشف حساب الأولويات
أخي المسلم، أختي المسلمة، أدعوكما الآن للقيام بتمرين صادق مع النفس. أحضر ورقة وقلم، وقم بتعبئة البيانات التالية بكل صراحة:
- الأولويات الحالية: (اكتب بصدق ما الذي يستهلك أغلب وقتك وتفكيرك الآن).
- تقييمك لأولوياتك: (هل هذه الاهتمامات ستنفعك يوم السؤال؟ هل هي سبب في رفعة الأمة أم في ضياعها؟).
- أولوياتك الجديدة: (ما هي الأمور التي ستبدأ في وضعها على رأس قائمتك من اليوم؟).
تذكر دائماً أن الأمة لن تخرج من ضعفها ووهنها إلا إذا تغيرت اهتمامات شبابها، وإلا إذا جعلنا همنا هو هم الآخرة. فلنغير ما بأنفسنا حتى يغير الله ما بنا.


اترك تعليقاً