فجرٌ جديد في سماء الكتلان
هل يمكن لفتى لم يبلغ الحلم بعد أن يحمل إرث أساطير كرة القدم على عاتقه؟ في ردهات ‘كامب نو’ العريقة، يبدو أن المستحيل قد انحنى طوعاً أمام طموح لامين جمال. هذا النجم الصاعد لم يكتفِ بمداعبة الكرة، بل أخذ يكتب بمداد من ذهب فصولاً جديدة في تاريخ الساحرة المستديرة، محطماً قيود العمر ومثبتاً أن العبقرية لا تعترف بشهادات الميلاد.
إن الصعود المذهل الذي يحققه جمال يضعه اليوم على أعتاب الجائزة الفردية الأسمى؛ الكرة الذهبية. فمنذ اللحظة التي وطأت فيها قدماه العشب الأخضر، أدرك المتابعون أنهم أمام ظاهرة استثنائية لم تشهدها الملاعب منذ عقود، حيث بات مرشحاً فوق العادة لاعتلاء عرش أفضل لاعبي العالم في مستقبلٍ صار قريباً جداً.
بداياتٌ هزت أركان التاريخ
انطلقت رحلة الإعجاز في أبريل من عام 2023، حين قرر التاريخ أن يفتح أبوابه ليدخل أصغر لاعب يشارك مع الفريق الأول لبرشلونة. كان جمال حينها يبلغ من العمر 15 عاماً و9 أشهر و16 يوماً فقط، ليحطم رقماً صمد لأكثر من قرن من الزمان، وتحديداً منذ عام 1922.
ولم تكن هذه البداية إلا غيثاً تلاه فيضٌ من الأرقام القياسية التي تبرهن على نضجه المبكر:
- أصغر مشارك أوروبياً: تخطى رقم أنسو فاتي كأصغر لاعب يظهر في دوري أبطال أوروبا.
- أساسي في القارة العجوز: أصبح أصغر لاعب يبدأ مباراة أساسية في تاريخ دوري الأبطال بعمر 16 عاماً و83 يوماً، محطماً رقم سيلستين بابايارو الصامد منذ عام 1994.
- سيد الشباك والصناعة: نال لقب أصغر هداف في تاريخ الدوري الإسباني بعد زيارته لشباك غرناطة، وأصغر من قدم تمريرة حاسمة في دوري الأبطال.
- ثنائيات تاريخية: في فبراير 2024، بات أصغر لاعب يسجل هدفين في مباراة واحدة بالدوري الإسباني.
حين تذعن القارة العجوز لسحر الفتى
استمر قطار الأرقام في دهس التوقعات، فوصل جمال في عام 2026 إلى مباراته رقم 100 في الدوري الإسباني وهو في عمر 18 عاماً و272 يوماً. بهذا الإنجاز، أزاح أسطورة ريال مدريد راؤول غونزاليس عن عرشه الذي تربع عليه منذ عام 1997.
صراع الكبار وتفوق الموهبة
في موسم 2025-2026، أثبت جمال أن طموحه يتجاوز الحدود المحلية، حيث حقق أرقاماً مذهلة في البطولة القارية:
- أصغر لاعب في تاريخ دوري الأبطال يصل إلى 20 مساهمة تهديفية إجمالية.
- سجل 6 أهداف وصنع 4 في موسم واحد، متفوقاً على النرويجي إيرلينغ هالاند الذي حقق ذات الإنجاز في سن التاسعة عشرة.
- المشاركة الفعالة في أدوار خروج المغلوب أمام عمالقة مثل نابولي وباريس سان جيرمان.
فلسفة فليك وثقة الكبار
لعل السر الكامن وراء هذا الانفجار الكروي يكمن في الثقة المطلقة التي أولاها إياه المدرب الألماني هانزي فليك. لقد جعل من هذا اليافع ركيزة أساسية في تشكيل العملاق الكتالوني، مما سمح له بخوض 50 مباراة رسمية قبل أن يتم عامه السابع عشر. هذا التراكم السريع للخبرات في مباريات بوزن ‘الكلاسيكو’ أمام ريال مدريد، صقل شخصيته وجعل منه لاعباً ناضجاً يسبق أقرانه بمراحل ضوئية.
إن ما نتابعه اليوم ليس مجرد تألق عابر، بل هو رسم لمستقبل برشلونة الجديد. لقد وجد النادي ضالته في جوهرة لا تقدر بمال، تبرهن يوماً بعد آخر أن الإرادة الصلبة هي المحرك الحقيقي للإبداع.
خاتمة: حين تصمت الأرقام في حضرة الفن
في الختام، يظل لامين جمال رسالة حية لكل من يظن أن العمر قيدٌ على الإنجاز. إن استمراره في تحطيم أرقام أساطير مثل راؤول وهالاند وبوجان كركيتش، يؤكد أننا بصدد ظاهرة ستشكل ملامح كرة القدم للعقد القادم. إن الموهبة حين تمتزج بالعمل الدؤوب، لا تصنع لاعباً فحسب، بل تصنع حقبة تاريخية يُحكى عنها للأجيال القادمة؛ حقبة بطلها فتى يهرول نحو المجد، والذهب يلاحق خطاه.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً