مقدمة: نبض الثورة في عروق الجغرافيا
كيف ينجح العقل المقاوم في تحويل الحصار إلى جسر، والملاحقة الأمنية إلى مدرسة للتخطيط العسكري؟ تبرز شهادة عميد أسرى حماس، عبد الناصر عيسى، كوثيقة تاريخية حية تسلط الضوء على اللقاء التاريخي الذي جمعه بقطبي العمل العسكري الفلسطيني يحيى عياش ومحمد الضيف، في مرحلة كانت فيها الأرض تمور تحت أقدام المحتل.
عبور المستحيل: خرق المنظومة الأمنية عام 1994
في عام 1994، وبينما كانت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تستنفر طاقاتها كافة، نجح عيسى في اجتياز الحواجز المشددة، منتقلاً من الضفة الغربية إلى قطاع غزة. لم تكن هذه الرحلة فراراً من قدر الملاحقة، بل كانت زحفاً نحو هدف استراتيجي أكبر:
- توحيد الساحات: دمج الخبرات القتالية بين الضفة الغربية وقطاع غزة.
- نقل الخبرات: تعزيز القدرات التصنيعية في ذروة العمليات الاستشهادية.
- التنسيق الميداني: تفعيل قنوات اتصال أمنية عالية المستوى بين خلايا القسام.
لقد كان هذا الانتقال أشبه بمرور الضوء عبر ثقب إبرة، حيث استخدم عيسى طرقاً التفافية معقدة، متجاوزاً منظومة أمنية صُنفت بأنها الأقوى في المنطقة، ليثبت أن الإرادة هي المحرك الأول للتاريخ.
في محراب العبقرية: هدوء المهندس وطموح القائد
يصف عيسى لقاءه بـ "المهندس الأول" يحيى عياش والقائد العام محمد الضيف بأنه نقطة التحول الكبرى. في تلك الغرف الهادئة بقلب غزة، كان يُصنع المستقبل بعيداً عن صخب الشعارات. تميزت هذه الشخصيات بسمات قيادية فريدة:
- يحيى عياش (المهندس): اتسم بعبقرية فذة وهدوء يسبق العواصف، حيث كان يدير العمليات بدقة الساعة السويسرية من قلب القطاع.
- محمد الضيف (القائد العام): اضطلع بالدور المحوري في تحويل كتائب القسام من مجموعات مطاردة صغيرة إلى جيش منظم يمتلك تراتبية عسكرية واضحة.
- الكاريزما والتخفي: امتلك القادة قدرة مذهلة على الذوبان في نسيج المجتمع، مما جعل الوصول إليهم مستحيلاً تقنياً وأمنياً.
غزة: مختبر صناعة المستحيل
كانت غزة في التسعينيات تمثل "مختبراً لصناعة المستحيل". هذا المصطلح ليس وصفاً أدبياً فحسب، بل هو تعبير عن واقع تقني وعسكري؛ حيث كانت الموارد الشحيحة تُطوع لصناعة أدوات ردع غير مسبوقة. إن ما نشهده اليوم من قوة عسكرية ضاربة للمقاومة ليس وليد الصدفة، بل هو الثمرة الناضجة لخارطة الطريق التي رسمها يحيى عياش ومحمد الضيف في تلك الحقبة الحرجة.
تعقيدات الواقع: بين ضغوط أوسلو وإصرار البندقية
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود، بل كان محفوفاً بالأشواك السياسية. يصف عيسى العلاقة مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية بأنها كانت "شديدة التعقيد". فقد كانت السلطة ترزح تحت وطأة التزامات اتفاقية أوسلو، مما أدى إلى:
- التضييق الأمني: حملات اعتقال طالت كوادر الحركة لمنع العمليات.
- قنوات الاتصال: وجود مسارات غير رسمية أحياناً لتجاوز الصدام المباشر.
- التناقض الفكري: رؤية القسام للعمل العسكري كورد وحيد على الاحتلال، مقابل مراهنة السلطة على المسار الدبلوماسي.
خاتمة: أثر لا يمحوه الزمن
إن شهادة عميد الأسرى ليست مجرد استرجاع لذكريات مضت، بل هي قراءة في فلسفة البقاء والمقاومة. لقد أثبتت التجربة أن لقاء يحيى عياش ومحمد الضيف كان تلاحماً بين الفكر الهندسي والإدارة العسكرية، ليتركا خلفهما نهجاً لا يعرف الهزيمة، ويؤكدا أن الحق المطالب به بالبندقية لا يضيع مهما بلغت التضحيات.



اترك تعليقاً