محنة تقود إلى منحة: رحلة الابتلاء في طريق الهداية إلى الإسلام
إنَّ مسيرة الروح نحو باريها سبحانه وتعالى ليست دوماً طريقاً ممهداً بالورود، بل هي في غالب أمرها رحلة متعرجة تخترق سدف الظلام لتستقر في ضياء الحق. ولئن قلتُ إنني عرفتُ طريق الحق من خلال المحن، فإنني أقرُّ بأن كل كبدٍ كابدتُه لم يكن إلا عتبةً وضعها الخالق عز وجل ليرشد نفساً حائرة إلى مستقرها الآمن. لقد بدأت حكايتي قبل ثماني سنوات برؤيا منامية غاية في الوضوح، رؤيا عصية على التفسير المنطقي وفق نشأتي آنذاك، حيث رأيتني أمشي في مكان مجهول، وترافقني عن يميني فتاة محجبة. لم أكن أعلم حينها، وأنا أعيش في بيئة تنظر للمسلمين بعين الريبة، أن هذا المنام كان إرهاصاً ربانياً لصداقة ستغير مجرى حياتي.
إرهاصات النور في غياهب الغفلة
إن الهداية الربانية تبذر بذورها في شغاف القلب قبل أن تتجلى في واقع الحياة. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (سورة البقرة: 257). وبالنظر إلى الماضي، أدرك أن تلك الرؤيا كانت أول جذبة من حبال الهداية، وبداية انتقالي من قتامة الأحكام المسبقة إلى سعة الحقيقة الكونية. حين التقيت بـ "فاطمة" في أول يوم لي في دراسة المحاسبة، شعرت بانجذاب لا يفسره منطق، ليتضح لي لاحقاً أننا نسير في ذات المكان الذي رأيته في منامي؛ لم يكن ذلك محض صدفة، بل كان قدراً مقدوراً من مسبب الأسباب سبحانه وتعالى.
تباين اليقين وشغف البحث عن الحقيقة
مع توثق عرى الصداقة، بدأت ألحظ بوناً شاسعاً بين طقوسي الدينية وبين عقيدة فاطمة الحية. كنت أرى فاطمة تمارس شعائر دينها بشغف غبطتها عليه؛ تتوضأ وتصلي خمس مرات، وتحافظ على حيائها في هجير الصيف، وتصوم الهواجر في رمضان. كان تمسكها ذاك تجسيداً حياً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (رواه الحاكم). إن تجدد إيمانها الدائم دفعني للتساؤل عن ركود إيماني.
المحاورة الفكرية وابتلاء الشك
خضنا غمار مناظرات دينية شتى، وكنت أجد في منطقها وحججها ما يعجز عنه إطاري اللاهوتي القديم. هنا تجلى الابتلاء في طريق الهداية في صورته الفكرية؛ أي ابتلاء الشك. فالعقيدة التي لا تصمد أمام مجهر التساؤل الصادق، تضطر الروح للبحث عن بديل. وجدتُ أن خجلي وحيائي الفطري هما قيمتان أصيلتان في الإسلام، مما جعلني أشعر بالانتماء في رحاب هذا الدين أكثر من أي وقت مضى.
مخاض الفكر وزلزال اليقين
بلغت الرحلة ذروتها حين أهدتني فاطمة تسجيلات للمناظر الشيخ أحمد ديدات رحمه الله. كان رؤية علماء النصرانية وهم يعجزون عن الإجابة على الأسئلة الجوهرية حول الكتاب المقدس بمثابة الزلزال الذي دكَّ حصون قناعاتي القديمة. عدتُ إلى منزلي باكية، مدركةً أن الأساس الذي وقفتُ عليه طويلاً قد تداعى. وهذا هو حال من يمر بمرحلة الابتلاء في طريق الهداية؛ إذ إن ألم فقدان الهوية القديمة هو بلاء في حد ذاته. يقول الله عز وجل: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} (سورة العنكبوت: 69). كانت دموعي هي الغيث الذي أنبت بذور الإيمان الجديد.
واجهتُ ضغوطاً ممن حولي نعتوا اهتمامي بالإسلام بـ "غسيل الدماغ"، فابتعدتُ عن فاطمة حيناً. لكن ردها كان درساً في الأخلاق الإسلامية، إذ قالت: "واجبي أن أبلغ الرسالة، فإن لم تقبلي فهذا خيارك، لكنك لن تحاجيني أمام الله يوم القيامة بأنني لم أخبرك". لقد تمثلت قول الله سبحانه وتعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (سورة البقرة: 256). إن هذا السمو الأخلاقي، والعيش الطاهر لأسرتها بعيداً عن الموبقات، جعل جمال الإسلام يسطع في عيني.
التيه ثم الأوبة: دروس من عام الرمادة الشخصي
مررتُ بمراحل ثلاث قبل النطق بالشهادة:
- مرحلة الجهل التام: محاولة حجب الدين كلياً لتجنب ألم الاختيار.
- مرحلة التمرد: في عام 2008، وصلتُ إلى الحضيض النفسي، حيث اتبعتُ خطوات الشيطان كما وصفها القرآن: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ ۖ وَاللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا} (سورة البقرة: 268).
- مرحلة اليقظة: كان شعوري بالذنب هو عين الرحمة، إذ أدركتُ أن محاولتي التواري عن صديقتي هي في الحقيقة محاولة يائسة للتواري عن الخالق سبحانه وتعالى.
لقد كان ذلك العام القاسي ضرورياً لتهذيب الأنا (الايغو) بداخلي، ولأدرك أن الحياة بلا حدود شرعية ليست حرية، بل هي سجنٌ موحش للروح.
ثمار الصبر وحلاوة التسليم
في الأول من يناير لعام 2009، نطقتُ بالشهادة بين يدي فاطمة ووالدها. كانت تلك اللحظة هي تتويج لثماني سنوات من المكابدة والتمحيص. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أَصَابَ مِنْهُ» (صحيح البخاري). لم تكن محني عقوبة، بل كانت منهاجاً تعليمياً لتقدير قيمة الحق.
أهم الدروس المستفادة من رحلة الهداية:
- الابتلاء هو أداة التمحيص الربانية لاستخراج صدق العبودية.
- الصحبة الصالحة هي المنارة التي ترشد السفن التائهة في بحار الشك.
- الإسلام هو دين الفطرة الذي يلائم النفس البشرية في أرقى صورها.
- السعادة الحقيقية تكمن في الانضباط بحدود الله لا في الانفلات منها.
خاتمة إيمانية:
أقف اليوم بفضل الله عز وجل ثابتة الجنان، فخورةً بإسلامي، مدركةً أن الله سبحانه وتعالى قد ساقني إلى نوره عبر دروب الألم لكي لا أفرط في هذا الحق أبداً. إن السكينة التي تغمرني الآن هي ثمرة التسليم لرب العالمين. فلكل روحٍ لا تزال تكابد عناء البحث: ثق بأن الله عز وجل قد يستخدم ذات البلاء الذي يوجعك اليوم، ليكون سبباً في هدايتك إلى نعيمٍ لا ينفد، فالحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة.



اترك تعليقاً