لو قُدّر للأنبياء أن يظهروا في عصرنا الراهن، لربما استبدلوا الجبال والوديان بمنصات التواصل الاجتماعي وقاعات المؤتمرات الفارهة، ولعملوا كـ “مدربي حياة” (Life Coaches) بدوام كامل. هكذا يبدأ المشهد المعاصر؛ وجوه تنظر بثبات إلى الكاميرا، إضاءة مدروسة، خلفيات توحي بالاتزان، ونبرات صوت تتأرجح بين الحزم والهدوء الأبوي، تَعِدُ المتابعين بالوصول إلى “النسخة الأفضل من ذواتهم”.
من ظاهرة هامشية إلى إمبراطورية اقتصادية
خلال العقدين الأخيرين، لم يعد نشاط “مدربي الحياة” مجرد ظاهرة عابرة، بل تحول إلى صناعة عالمية مزدهرة تتسلل إلى أدق تفاصيل حياتنا اليومية. من الشركات الكبرى إلى العلاقات العاطفية، وحتى في فهمنا لأعمق آلامنا الشخصية، أصبحت لغة “تطوير الذات” هي المحرك الأساسي. ورغم أن البعض يجد في هؤلاء المدربين ملاذاً سريعاً ومسكنات للأزمات النفسية، إلا أن هذه الظاهرة تستدعي مساءلة نقدية عميقة حول سياقها الاجتماعي والسياسي.
خصخصة المعاناة: الفرد كاستثمار دائم
يرى الباحثون أن صعود ظاهرة “مدربي الحياة” ارتبط ارتباطاً وثيقاً بتفكك دولة الرفاه وتصاعد قيم “نظام الجدارة”. في هذا الإطار، تم استبدال الأسئلة البنيوية حول مشكلات المجتمع (مثل البطالة أو ظروف العمل القاسية) بأسئلة فردية بحتة: “كيف تغير عقليتك؟” و”كيف تدير ذاتك؟”. لقد تحول الفشل المهني أو الإحباط الاجتماعي من كونه نتاجاً لسوق عمل مختل إلى “خلل في الإدارة الذاتية”، مما دفع الأفراد لإدارة حياتهم وكأنها مشروع استثماري يتطلب التطوير المستمر.
الرأسمالية العاطفية وتحويل المشاعر إلى سلع
تطرح عالمة الاجتماع إيفا إيلوز مفهوم “الرأسمالية العاطفية” لتفسير هذا التحول؛ حيث تداخلت لغة الاقتصاد مع لغة المشاعر. لم تعد العواطف تجارب إنسانية معقدة، بل موارد يتم تقييمها بميزان الربح والخسارة. في هذا العالم، يصبح الحزن أو القلق مجرد “عوائق إنتاجية” أو “طاقة سلبية” يجب تجاوزها. وتؤكد إيلوز أن خطاب التنمية الذاتية يقوم بـ “عقلنة المشاعر”، محولاً الألم النفسي إلى “مشكلة إدارية” تتطلب حلاً تقنياً بدلاً من فهم جذورها الاجتماعية والسياسية.
إرهاب الإيجابية والتبعات السياسية المدمّرة
في كتابها “تمرّد ضد إرهاب الإيجابية”، تشير الباحثة جوليان ماري شريبر إلى أننا انتقلنا من ثقافة “المنع” إلى ثقافة “الأمر”. فبدلاً من “لا يجب عليك”، أصبحنا نرزح تحت وطأة “يجب عليك” أن تكون ناجحاً، سعيداً، ومتطوراً دائماً. هذا الضغط المستمر أدى إلى نوع من الإنهاك النفسي. والأخطر من ذلك هو الأثر السياسي؛ فعندما يعتقد الجميع أنهم مسؤولون بالكامل عن نجاحهم أو إخفاقهم، يتلاشى الوعي الجمعي وتضعف القدرة على النضال من أجل حقوق مشتركة أو إصلاحات بنيوية، ليحل محلها السعي الفردي المحموم نحو “الشفاء الذاتي”.
الاستغلال الذاتي في ثوب “التمكين”
يذهب الفيلسوف بيونغ تشول هان إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن أدبيات تطوير الذات ليست سوى شكل من أشكال “الاستغلال الذاتي الكامل”. إن السعي الدائم للتحسين، والذي يتطابق تماماً مع متطلبات النظام الرأسمالي، يقود في النهاية إلى الانهيار النفسي. يرى هان أن النيوليبرالية حولت الفرد إلى مراقب لذاته، يطارد “الأفكار السلبية” كما كان البروتستانت يطاردون الخطايا، مما يجعل الأنا في صراع دائم مع نفسها بوصفها العدو الأول.
بين الرواقية القديمة والتحريف الحديث
على الرغم من أن خطاب “مدربي الحياة” يستعير مفاهيم من المدرسة الرواقية (مثل التمييز بين ما نملكه وما لا نملكه)، إلا أن هناك فرقاً جوهرياً. الرواقية كانت تدعو للفضيلة وضبط النفس وتقليل سطوة الأنا، بينما يسعى الخطاب المعاصر لتضخيم الأنا وتعزيز قدرتها على الفوز في السباق التنافسي. إن العمل على الذات قديماً كان يهدف لإدراك حدود الإنسان وقبول فنائه، بينما يهدف اليوم لتحويل الحياة إلى منتج جمالي قابل للتسويق والبيع.
خاتمة: العناية بالنفس أم تصميم الحياة؟
في نهاية المطاف، يبقى السؤال قائماً: هل يهدف “مدربي الحياة” حقاً إلى تحريرنا، أم أنهم مجرد سفسطائيين جدد يبيعوننا أدوات للتأقلم مع نظام ينتج التعاسة؟ ربما تكمن الإجابة في العودة إلى المعنى الأصيل لـ “العناية بالنفس” كما فهمها سقراط وفلاسفة العصور القديمة؛ بوصفها توازناً أخلاقياً يدرك حدود القوة البشرية، وليس تمرداً وهمياً يَعِدُ بالسيطرة الكاملة على واقع لا نملك منه إلا القليل.
المصدر: BBC Arabic



اترك تعليقاً