مقدمة: في رحاب الوحي
إن المتأمل في أحوال الأمة اليوم يلحظ غصةً في حلوق الكثيرين، ولا سيما جيل الشباب؛ إذ باتت علاقتهم بكتاب الله عز وجل تشوبها حواجز نفسية ومعرفية حالت بينهم وبين الاستسقاء من معينه الصافي. لقد استقر في روع البعض أن تدبر القرآن الكريم مفاوز وعرة لا يقتحمها إلا الخواص، أو أنه نصٌّ من الهيبة بمكان يمنع المقاربة، فآثروا الهجران أو الاكتفاء بالتلاوة التعبدية الجافة، غافلين عن أن هذا الكتاب إنما نزل ليكون حياةً للقلوب ونوراً للبصائر.
القرآن هداية للناس كافة
ليس القرآن الكريم حكراً على فئة دون أخرى، ولا هو لغزٌ مغلق لا يفك شفراته إلا الراسخون في العلم فحسب، بل هو مأدبة الله عز وجل لعباده جميعاً، يتفاوتون في نيل خيراتها بحسب استعداد قلوبهم وصفاء أرواحهم. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل:
«الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (البقرة 2:2-5).
إن أول ما يطالعنا به الوحي هو الحقيقة المطلقة: أنه هداية، وفي مواضع أخرى شفاء. لم ينزل ليعجز الناس، بل ليرشدهم بمستويات فهمٍ تتدرج من البسيط الجلي إلى العميق الخفي. إن قراءتك للقرآن ستخاطب واقعك وتفاصيل حياتك بلغة لا يملك أحدٌ غيرك فك رموزها في ذاتك، مهما بلغ من العلم شأواً.
شروط الاستسقاء من نبع التنزيل
لكي تؤتي هذه الهداية ثمارها في النفس، وضع الخالق سبحانه شروطاً تسبق الشروع في القراءة، وهي بمثابة التخلية قبل التحلية:
- الإخلاص والتقوى: فالهداية مشروطة بكون العبد متقياً، مؤمناً بالغيب، مقيماً للصلاة، باذلاً مما رزقه الله عز وجل.
- اليقين بالآخرة: إن الإيمان باليوم الآخر يورث العبد شعوراً بالمسؤولية الشخصية، ويمنحه عزاءً بأن العدل الإلهي سيتحقق في نهاية المطاف.
- حضور القلب: وهو الشرط الجوهري؛ فالتفاعل مع النص القرآني هو حوارٌ ممتد بين العبد وخالقه سبحانه وتعالى.
القلب.. محراب الفهم والتدبر
القرآن نصٌّ حيٌّ وديناميكي، لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد. إن القلب هو الأداة الإدراكية الكبرى في التعامل مع هذا الكتاب؛ فبينما يقوم العقل بالترتيب والتحليل المنطقي، يظل القلب هو مستودع الإيمان ومهبط الهداية. يقول الله عز وجل:
- «أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ…» (المجادلة 58:22).
- «… وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ…» (التغابن 64:11).
- «… أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (الرعد 13:28).
- «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» (الحج 22:46).
منهجية التعامل مع الإشكالات المعرفية
قد يجد القارئ في بداياته ضيقاً أو عدم فهم لبعض الآيات، وهذا أمرٌ طبيعي لمن لم يقرأ النص في كليته أو لم يستصحب قلبه معه. إن المنهج السليم يقتضي:
- القراءة الكلية: لا تقتطع الآيات من سياقها، بل انظر في ترابط النص.
- السؤال الواعي: استفتِ أهل الذكر الذين يجمعون بين فقه النص وفقه الواقع والثقافة المعاصرة.
- التثبت من الترجمات: بالنسبة لغير الناطقين بالعربية، يجب إدراك أن الترجمة هي جهد بشري وتفسير تقريبي، وليست هي النص المعجز بلفظه.
وكما قرر الإمام ابن القيم رحمه الله في حديثه عن الشريعة -والقرآن أصلها- أنها مبنية على العدل والمصلحة والحكمة والرحمة، فكل ما خرج عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليس من الشريعة وإن أدخل فيها بالتأويل.
خاتمة: ميثاق مع الكتاب
إن الغاية القصوى هي بناء علاقة وجودية مع القرآن الكريم تمتد عبر سني العمر، تتجلى في قوله سبحانه وتعالى: «عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا…» (المزمل 73:20).
فاجعل لك مع القرآن خبيئة، واجعل قلبه قريباً من قلبك، ففيه الإجابة لكل حيرة، والسلوان لكل جرح، والرفقة في كل وحشة. اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا.



اترك تعليقاً