مزالق الحسرة وبوابات الشيطان: تأملات في قولنا «لو» وعقيدة التسليم للقدر
يُجبل الإنسان في جبلّته على التماس النفع واستقصاء الكمال، فإذا ما فاته من حظوظ الدنيا نصيب، أو نزل بساحته من المكاره ما يرهق الروح، ألفيته يعض أصابع الندم، وربما استبد به القنوط حتى يجاوز بلسانه وجنانه حدود الأدب مع الله سبحانه وتعالى. إن هذا الخروج عن ربقة الرضا بـ الإيمان بالقضاء والقدر يزج بالعبد في أتون جلد الذات ومحاسبة النفس على ما فات، فتراه يردد كلمة «لو» في حسرة تقتل العزم وتوهن اليقين.
الهدي النبوي في لجام النفس عند الفوات
جاءت السنة النبوية المطهرة لتضع للمؤمن ميزاناً قسطاً يزن به النوازل، ويحمي به قلبه من المهالك التي يفتحها الشيطان بكلمات الحسرة. فقد قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
إن سر كراهة هذه الكلمة يكمن في كونها تعبيراً عن غفلة القلب عن قيومية الله سبحانه وتعالى وأقداره النافذة، وظناً واهماً بأن الأسباب تؤثر بذاتها استقلالاً عن مشيئة الباري عز وجل. إنها مسلك يضع تدبير المخلوق القاصر فوق تدبير الخالق العليم، وهو عين ما حذر منه القرآن الكريم في وصفه لمسالك أهل الغفلة:
- قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ﴾ [آل عمران: 156].
- وقال عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ﴾ [آل عمران: 168].
أوهام الحماية وقيومية الخالق
يتوهم الغافلون أن بمقدورهم دفع الأقدار المحتومة أو حماية الأحباب من قبضة الموت بتدابيرهم الأرضية، غافلين عن الحقيقة الكبرى: ﴿إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [نوح: 4]. ومن حاد عن هذا اليقين سلك دروباً ملتوية في تفسير الأحداث، فاستبدت به الآلام، وعجزت خطاه عن بلوغ الغايات، لأنه فقد البوصلة التي تربط السبب بمسببه سبحانه وتعالى.
ثمرات الإيمان في مواجهة الأزمات
إن الإيمان الراسخ يمنح صاحبه طاقة روحية تتجلى في:
- قوة الصبر: الثبات عند الصدمة الأولى والفرار من قدر الله إلى قدر الله.
- قوة الرضا: اليقين بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
- قوة العمل الجاد: السعي في تخفيف آثار الأزمات دون الاستسلام لليأس.
فإذا استغرق البلاء طاقة العبد، نادى بلسان الافتقار: "ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به"، متمسكاً بحبال الرجاء في أن يفتح الله له أبواب اليسر بعد العسر.
متى تكون «لو» مشروعة؟
ليس كل استعمال للفظ «لو» يعد فتحاً لأبواب الشيطان، فقد فقه علماء الأمة هذا التمايز؛ حيث عقد الإمام البخاري في صحيحه باباً وسمه بـ "ما يجوز من اللو"، وساق فيه أحاديث استعمل فيها النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحرف في سياق تمني الخير أو بيان الأحكام، مما يدل على أن المذموم هو ما كان على وجه التسخط على القدر أو التحسر الذي يورث العجز.
من الندم إلى العمل: مدرسة الصحابة
إن المؤمن الحق هو من يحيل الندم طاقة بناءة تجبر الكسر وتستدرك الفوات. ولنا في الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه أسوة حسنة؛ إذ آلمه غيابه عن وقعة بدر، فلم يغرق في بحار «لو» القاتلة، بل قال: «غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رسول اللَّه ﷺ، واللَّه لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ سُبْحَانَهُ قِتَالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ». فصدق الله فصدقه الله في أحد، حتى نال الشهادة مقبلاً غير مدبر.
خاتمة وتذكرة
إن الرجوع إلى حصن الإيمان هو العاصم الوحيد من غوائل النفس ووساوس الشيطان التي تثيرها كلمة «لو». فليوطن المسلم نفسه على أن علمه قاصر، وأن إدراك البشر لا يحيط بملكوت الحكمة الإلهية، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. فاللهم ارزقنا الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، واجعل أقدارنا محفوفة بلطفك ورحمتك.



اترك تعليقاً