مشكاة الهداية من الدوحة إلى نيروبي: أثر مركز كينيا الإسلامي للمسلمين الجدد في ترسيخ قيم التوحيد
إن قوة الإيمان حين تستقر في الجنان، تتجاوز في فعلها الحدود الجغرافية، وتمد جسوراً من النور بين الثقافات المتباينة. بدأت هذه الرحلة المباركة قبل خمسة أعوام من أروقة "مركز قطر للتعريف بالإسلام" (مركز ضيوف قطر)، ذلك الصرح الذي نذر نفسه لنشر رسالة الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة. نسطر في هذا التقرير ملامح الارتقاء الروحي لأحد أبناء كينيا، الذي أبصر نور الحق في الدوحة، ثم عاد إلى دياره ليؤسس مركزاً شامخاً للتعليم والإرشاد، مجسداً بذلك أثر مركز كينيا الإسلامي للمسلمين الجدد، وممتثلاً للأمر النبوي الشريف بتبليغ العلم ولو بآية.
من فيوض الدوحة إلى رحاب الفطرة
انطلقت الحكاية من قاعات مركز قطر للتعريف بالإسلام، الذي يُعد منارةً لكل باحث عن الحقيقة. لم يكن اعتناق هذا الأخ الكيني للإسلام وليد عاطفة عابرة، بل كان ثمرة بحث عقلي وروحي عميق. وحين عاين قيم الانضباط والمساواة وعقيدة التوحيد الصافية في قطر، وجد الإجابات الشافية عن أسئلة الوجود الكبرى.
إن لحظة نطقه بالشهادتين كانت إعلاناً بالعودة إلى الفطرة السوية التي جبل الله الناس عليها، كما قال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (سورة الروم: 30). ومن هنا، بدأ التخطيط لترك بصمة دائمة تظهر في أثر مركز كينيا الإسلامي للمسلمين الجدد.
أمانة البلاغ وعظم المسؤولية
لم يكتفِ الأخ الكيني بمجرد الانتساب للإسلام، بل عكف على نهل العلوم الشرعية من قرآن وسنة ولغة عربية، مستفيداً من موارد مركز قطر. ومع تعمق فهمه، استشعر ثقل الأمانة تجاه أهله في كينيا، مستحضراً قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم" (رواه البخاري). وبدافع من هذا التوجيه النبوي، اتخذ قراره الشجاع بالعودة إلى وطنه رائداً من رواد الوعي الإسلامي.
تأسيس الصرح: ملاذ للمهتدين في كينيا
واجه الأخ في كينيا تحديات جمة، حيث يفتقر المسلمون الجدد إلى الدعم المنهجي، مما قد يعرضهم للعزلة. لذا، سخر مدخراته وخبراته لتأسيس مركز متخصص يكون ملاذاً آمناً، تطبيقاً لقوله عز وجل: "وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (سورة آل عمران: 104). ومن هنا تعاظم أثر مركز كينيا الإسلامي للمسلمين الجدد كحلقة وصل بين الهداية والاستقامة.
الركائز المنهجية للمركز
يقوم المنهج التعليمي في المركز على قيم الوسطية والاعتدال، ويرتكز على المحاور التالية:
- عقيدة التوحيد: تصفية القلوب من شوائب الشرك وتثبيت وحدانية الله سبحانه وتعالى.
- الفقه العبادي: تيسير أحكام الصلاة والزكاة والصيام لتمكين المسلم من عبادة ربه على بصيرة.
- مكارم الأخلاق: تمثلاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" (رواه أحمد).
- اللغة العربية: لربط المسلم بكتاب ربه ربطاً مباشراً.
ثمار يانعة وأثر مستدام
منذ تأسيسه، غدا المركز شريان حياة للمجتمع المحلي، حيث شهد إسلام المئات، مع التركيز على المتابعة والتربية. لقد ساهم أثر مركز كينيا الإسلامي للمسلمين الجدد في تصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، مبرزاً إياه كدين للعلم والتحضر.
ويتجاوز أثر المركز الجانب الرعوي إلى التكافل الاجتماعي، انطلاقاً من مبدأ الأخوة الإيمانية في قوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ" (سورة الحجرات: 10).
الصدقة الجارية وامتداد النور
إن هذا النجاح هو ثمرة الرؤية البعيدة لمركز قطر للتعريف بالإسلام؛ فالغرس الذي غرسوه قبل سنوات أضحى شجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين. وهذا هو جوهر الصدقة الجارية التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" (رواه مسلم).
وعلى الرغم من الصعوبات المالية والحاجة إلى ترجمات باللغة السواحيلية، يظل اليقين في قوله سبحانه وتعالى: "فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (سورة الشرح: 6) هو الدافع للاستمرار والتوسع لبناء مدرسة وعيادة طبية مستقبلاً.
الخاتمة
إن قصة هذا الأخ الكيني هي تذكير بليغ بوحدة الأمة وعالمية الرسالة. إنها دعوة لكل من ذاق حلاوة الإيمان أن يحمل مشكاة النور إلى أهله ودياره. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذا الجهد، وأن يجعل أثر مركز كينيا الإسلامي للمسلمين الجدد مناراً يهدي الحيارى، وذخراً في موازين كل من أعان وساهم، فما بدئ بإخلاص في الدوحة، أضحى اليوم نهضة إيمانية في ربوع كينيا.



اترك تعليقاً