مضيق باب المندب: شريان التجارة العالمي بين روايات الرسوم وحقيقة الملاحة
هل يغدو "باب المندب"، ذلك المضيق الذي تتدفق عبره أرزاق الأمم وطاقة العالم، ساحةً لجباية الأموال وفرض المكوس؟ يظل هذا التساؤل شاخصاً في أذهان المراقبين مع كل اضطراب يشهده هذا الممر المائي الاستراتيجي، الذي يمثل عنق الزجاجة للتجارة الدولية الرابطة بين الشرق والغرب.
نفي قاطع وتأكيدات على مجانية العبور
في خضم التجاذبات السياسية والعسكرية، خرج مركز تنسيق العمليات الإنسانية التابع لجماعة "أنصار الله" (الحوثيين) ببيان حاسم، ينفي فيه جملة وتفصيلاً ما تردد في أروقة الإعلام حول اعتزام الجماعة فرض رسوم مالية على السفن العابرة لمضيق باب المندب. أكد المركز أن الملاحة عبر هذا الممر المائي تظل مجانية بالكامل، واصفاً التقارير التي تحدثت عن غير ذلك بالعارية عن الصحة.
وأوضح المركز طبيعة الإجراءات المتبعة حالياً من خلال النقاط التالية:
- خدمة العبور الآمن: هي خدمة اختيارية ومجانية تُقدم للسفن والشركات التي لا يشملها الحظر المعلن.
- القنوات الرسمية: يمكن للسفن تقديم طلبات تأكيد المرور عبر مسارات رسمية دون أي تكاليف مالية.
- التحذير من الابتزاز: دعا البيان شركات الشحن إلى الحذر من أي جهات أو أفراد يطلبون مبالغ مالية مقابل تسهيل العبور، مشدداً على ضرورة الإبلاغ عن أي محاولات احتيال.
روايات دولية واتصالات صينية
على الضفة الأخرى من المشهد، كانت وكالة "رويترز" قد نقلت عن مصادر إقليمية أن ثمة دراسات تجري لفرض رسوم على السفن التجارية في جنوب البحر الأحمر. هذه التقارير أشارت إلى أن الجماعة تبحث عن آلية لتقنين المرور عبر مضيق باب المندب، وهو الممر الذي يشبه في حيويته "الشريان الأبهر" لجسد الاقتصاد العالمي.
وفي سياق متصل، برزت التحركات الدبلوماسية الصينية كلاعب محوري؛ حيث كشفت التقارير عن اتصالات مباشرة أجرتها بكين مع الحوثيين لضمان سلامة ناقلاتها، وهو ما يعكس القلق الدولي من تعطل سلاسل الإمداد في هذا الممر الذي لا يرحم أي توقف.
لغة الأرقام وتصاعد التوترات البحرية
لا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن الواقع الميداني الذي يشهده البحر الأحمر وخليج عدن. فمنذ إعلان الحصار البحري في يوليو المنصرم، تحول المضيق إلى مسرح لمواجهة تتجاوز الحدود المحلية لتلامس صراعات القوى الكبرى.
إحصائيات وحقائق ميدانية:
- 16 سفينة: هو العدد الذي أعلنت جماعة الحوثي عن إعادته ومنعه من العبور منذ فرض الحظر على الموانئ المرتبطة بالسعودية في 20 يوليو.
- معادلة الحصار بالحصار: استراتيجية أعلنها زعيم الجماعة، استهدفت بشكل مباشر حركة السفن النفطية ومنعها من الوصول إلى وجهاتها.
- تحالف الـ 14 دولة: ردت المملكة العربية السعودية بإعلان إنشاء تحالف بحري دفاعي يضم دولاً وازنة مثل (مصر، تركيا، قطر، باكستان، والأردن)، بهدف حماية حرية الملاحة.
آفاق الملاحة في ممر الدموع
إن مضيق باب المندب، الذي عُرف تاريخياً بوعورة مسالكه، يواجه اليوم وعورة من نوع آخر؛ وعورة السياسة وتقلبات المصالح. وبين النفي الرسمي لفرض الرسوم والتقارير الدولية التي تتحدث عن كواليس مغايرة، يبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا الممر بعيداً عن عسكرة الاقتصاد.
ختاماً، إن استقرار الملاحة في باب المندب ليس ترفاً سياسياً، بل هو ضرورة وجودية لاستقرار معيشة الملايين حول العالم. فالمضيق ليس مجرد ممر مائي، بل هو جسر الحضارات الذي يجب أن يبقى مفتوحاً، بعيداً عن لغة المكوس والابتزاز، لضمان تدفق الحياة في عروق العالم دون انقطاع.



اترك تعليقاً