هل يملك البحر أن يغسل أدران الحروب، أم أن جراح الاقتصاد أعمق من أن تداويها ملوحة المياه؟
يطل علينا مضيق هرمز اليوم ليس كمعبر مائي فحسب، بل كشريان أبهر يضخ دماء الحياة في جسد الحضارة المعاصرة. فمع إعلان طهران عودة الملاحة في هذا الممر الحيوي، تنفس العالم الصعداء، مترقباً انقشاع غلالة القلق التي لفت الأسواق العالمية طوال أمد المواجهة. إن عودة الحركة إلى هذا المضيق تمثل بارقة أمل مرهونة بمدى استدامة السلم وعودة تدفق التجارة إلى سابق عهدها، كما يؤكد الدكتور جهاد أزعور، مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي.
دبلوماسية الأمواج وبشائر الانفراج
جاء الإعلان الإيراني عن فتح مضيق هرمز بالتزامن مع إشارات سياسية لافتة؛ حيث أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الممر سيظل مشرعاً أمام السفن بالتنسيق مع السلطات السيادية، تزامناً مع حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن تفاهمات كبرى تلوح في الأفق. هذا التناغم، وإن كان مؤقتاً، يضع العالم أمام فرصة لاستعادة توازنه الطاقي.
وتبرز أهمية هذه العودة عند تأمل الحقائق التالية:
- ثقل استراتيجي: يمر عبر المضيق يومياً نحو خُمس الاستهلاك العالمي من الطاقة.
- تفاعل الأسواق: استجابت بورصات النفط فوراً، حيث تراجعت الأسعار بنسبة 11% لتستقر عند 88 دولاراً للبرميل.
- الخامات الأمريكية: هبطت العقود الآجلة لخام غرب تكساس بنسبة 12% لتصل إلى 83.29 دولاراً.
تباين المصائر: بين وفرة الخليج وعوز لبنان
إن تداعيات الحرب لا تضرب الجميع بسهم واحد، بل هي قسمة ضيزى تتفاوت فيها الأوجاع. فبينما تمتلك دول الخليج العربي مصدات اقتصادية مكنتها من امتصاص الصدمة، بفضل سياسات تنويع مصادر الدخل التي انتهجتها سابقاً، نجد دولاً أخرى تقف في مهب الريح.
لقد تعرضت منشآت الغاز المسال في قطر لضغوط وهجمات مباشرة، بينما كانت سلطنة عمان بمنأى نسبي عن العاصفة. وفي المقابل، يبرز الوضع اللبناني كجرح غائر يتطلب معالجة استثنائية؛ فلبنان الذي يرزح تحت وطأة الدمار والنزوح، يحتاج إلى تدفقات مالية وهبات عينية لضمان الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية، بعيداً عن التعقيدات البنيوية للديون والنظام المصرفي التي يعمل صندوق النقد على حلها.
قراءة في دفتر الاقتصاد العالمي
لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت زلزالاً ضرب أرقام النمو في مقتل. وقد تجلى ذلك في مراجعات صندوق النقد الدولي الأخيرة:
- تراجع النمو: خُفضت توقعات النمو للأسواق الناشئة لعام 2026 إلى 3.9% بعد أن كانت 4.2%.
- فاتورة الضعفاء: تسببت الضبابية في ارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، مما أثقل كاهل الدول المستوردة للسلع الأولية.
- معضلة إعادة الإعمار: يرى أزعور أن تعويض خسائر البنية التحتية والقطاعات غير النفطية لن يكون مسلكاً هيناً، بل يتطلب استقراراً طويلاً يعيد تنشيط قطاعي السياحة والنقل.
أما الحديث عن فرض رسوم عبور إيرانية في مضيق هرمز، فيظل في دائرة الافتراضات التي قد تلهب أسعار الطاقة مجدداً إذا ما تحولت إلى واقع ملموس، مما يجعل المشهد الاقتصادي رهيناً بحكمة الساسة قبل توازنات العرض والطلب.
خاتمة: في انتظار الفجر الاقتصادي
إن عودة الملاحة في مضيق هرمز ليست نهاية المطاف، بل هي الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل نحو استعادة الثقة المفقودة. وكما أن البحر لا يهدأ إلا بعد عاصفة، فإن الاقتصاد العالمي يحتاج إلى سكون سياسي طويل الأمد ليبرأ من ندوب هذه المواجهة. يبقى الأمل معقوداً على أن تتحول هذه التفاهمات إلى واقع مستدام، يقي الشعوب شرور الأزمات ويحفظ للمنطقة حقها في النماء والازدهار.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً