مقام الإحسان: تجليات الجمال والكمال في الرؤية الإسلامية للكون والحياة

مقام الإحسان: تجليات الجمال والكمال في الرؤية الإسلامية للكون والحياة

مقدمة: في رحاب التناغم الكوني

يسمو الإسلام في منظومته القيمية ببناءٍ متفرد، يروم صياغة وشائجِ التناغم المطلق بين الإنسان وسائر مفردات الوجود. فالموجوداتُ في الرؤية الإسلامية، وإن كانت مسخرةً لخدمة الإنسان وتأثيث فضاء حياته بلوازم الإعمار والاستخلاف، إلا أن النص القرآني يرتفع بالسلوك البشري نحو ذرى التهذيب، حاثاً على اعتماد الوسطية المبدعة والتوازن الرصين في الانتفاع بهذا الكون. إن هذا المسلك هو ما نطلق عليه مقام الإحسان في الإسلام، وهو الخيط الناظم الذي يربط العبد بخالقه، وبسائر المخلوقات من حوله.

نبض الوجود: الحب والرفق كمنطلق للعلاقة

حين نستقرئ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تستقصي وجوه الإحسان، نجدها تثني ببالغ العبارة على الساعين لبلوغ مرتبته السنية. إننا نقف هنا على فلسفةٍ أخلاقية تجعل من الحب والرفق، والأداء الممزوج بالمشاعر الإنسانية الدافئة، أصلاً في التعامل مع "الآخر"، سواء كان هذا الآخر بشراً سوياً، أو حيواناً أعجماً، أو حتى جماداً صامداً.

فالإنسان ليس كائناً منفصلاً، بل هو جزءٌ أصيل من منظومة التسبيح الكوني التي تُفرد الله سبحانه وتعالى بالعبودية؛ يقول الله عز وجل: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم) [الإسراء: 44]. غير أن المرء لا يتذوق حلاوة الاندراج في هذا العقد الفريد إلا حين يكون الحب بوصلته الهادية نحو سائر المخلوقات، حتى الحجارة الصماء.

وفي دلائل نبوة المصطفى صلى الله عليه وسلم ومعجزاته الباهرة، ما يحيلنا على نبل الآصرة التي ينبغي للمسلم أن يعقدها مع ما حوله؛ فقد كان بمكة حجرٌ يسلم عليه، فحمل الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ذكراه في قلبه الشريف، وحدث أصحابه يوماً عن تعلق ذلك الحجر به قائلاً: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث) [حديث صحيح رواه مسلم].

يقول الأستاذ محمد الصوياني تعليقاً على هذا المشهد النبوي: ”إن للكون الصامت حولنا من التراتيل والصلوات بقدر ما نشهده من صمت وسكون، لكن الكون يريد قلباً.. يريد عقلاً ليكشف ذلك المعبد فيه. وهب الله ذلك الحجر لغة الإنسان فكلم محمداً، أم وهب محمداً إدراكاً ليفهم لغة الحجر، فكان ذلك السلام.. وكان ذلك الحب الذي بدأ بين محمد ومكة”.

الإحسان في الميزان الفقهي والأخلاقي

إن هذا الحب يتجسد في فيضٍ من التوجيهات العملية التي حض عليها النبي صلى الله عليه وسلم في تسخير الكائنات لخدمة الوجود الإنساني. وقد استحال هذا الهدي النبوي إلى واقعٍ معاش عبر منظومة فقهية بلغت في تفصيل الأحكام شأواً بعيداً لم تُسبق إليه الحضارات.

ويكفي المتأمل أن يطالع ما سطره الفقهاء في "كتب النفقات" ليرى العجب العجاب في رعاية الكلاب والطير والنبات. إنه تفصيلٌ لا تحركه المنفعة المادية الضيقة، بل يدفعه وازعٌ أخلاقي محض؛ يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "بقدر ما يتصل بدافع أخلاقي، محض قوامه رفع الضرر والظلم، والأذى عن كل ذي كبد رطبة".

وفي قوله سبحانه وتعالى: (وأحسن كما أحسن الله إليك) [القصص: 77]، يتجلى الإحسان كأبهى حلية يتزين بها المؤمن؛ فالمبالغة في العطاء والإتقان في الأداء هما نتاج نفسٍ تاقت لمقابلة الإنعام الرباني بالشكر، واستجابت لداعي الإنفاق طوعاً، سواء كان ذلك بالمال، أو بجودة العمل، أو حتى بإراحة الشاة عند الذبح.

تجليات مقام الإحسان في الإسلام

إن المتدبر في نصوص الوحي يقف على أنواع شتى من القربات التي تندرج تحت لواء الإحسان، والتي لو فُعّلت في واقع الناس لغمر الأمن والسكينة ربوع الأرض، ومنها:

  • الإحسان إلى الوالدين: وهو خفض الجناح لهما بالذل من الرحمة؛ قال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً) [الإسراء: 23-24].
  • الصبر الجميل: قال تعالى: (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) [هود: 115].
  • العفو والصفح: قال تعالى: (فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين) [المائدة: 13].
  • الاتباع الصادق: قال تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين) [الزمر: 32-33].
  • المجاهدة والبذل: قال تعالى: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) [العنكبوت: 69].
  • رعاية الحقوق الاجتماعية: قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم) [النساء: 36].
  • الرفق بالحيوان: كما في الحديث الشريف: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة. وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته) [رواه مسلم].

ذروة السنام: الاستشعار الدائم للرقابة الإلهية

تتسع دائرة الإحسان لتشمل كل طاعة ترتقي بالعبد من إسلام الجوارح وإيمان القلب إلى الاستشعار الدائم لحضور الله عز وجل ومراقبته، وهو المقام الذي لخصه المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) [رواه مسلم].

وحين تصطبر النفس في كدحها نحو هذا المقام، وتثبت أمام صنوف الابتلاء، يفيض الله سبحانه وتعالى عليها من نوره ما يجعلها مألفاً للقلوب. يقول الأستاذ محمد قطب رحمه الله: ”تحس على الفور حين تلقى أحداً منهم أنك أمام “إنسان”. إنسان بهذا المعنى الذي كرمه خالقه وفضله على كثير ممن خلق. إنسان تأنس إليه وتستريح عنده، تستريح في تعاملك معه وفي علاقاتك. تستريح إلى الاستقامة النظيفة التي لا عوج فيها ولا التواء. لا تملك إلا أن تحبه ولو خالفك في أفكارك وأعمالك ومشاعرك واتجاهاتك. تحبه لأن فيه قبسة من نور الله.. وتحاول –إن استطعت- أن تقفو خطاه”.

خاتمة: البشارة الكبرى

إن آيات الإحسان في القرآن الكريم هي شهادة حق على تكريم الإسلام للحياة، وإرساء لقاعدة عظيمة ينهض عليها الدين كله. وما أعظمها من بشارة تلك التي زفها الوحي لمن زكوا نفوسهم وجوّدوا أعمالهم؛ بشارة المحبة والمعية الإلهية الخاصة، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) [النحل: 128]. فاللهم اجعلنا ممن أدركوا مقام الإحسان، وعاشوا بأنوار معيتك، واختم لنا بالحسنى وزيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *