ممر نتساريم.. من "مصيدة موت" إلى ساحة استعراض: كيف يتحدى شباب غزة واقع الحصار؟
بعد شهور طويلة من القسوة والدمار، تحولت المناطق التي كانت يوماً مسرحاً للموت في قطاع غزة إلى مساحات لانتزاع الحياة. في قلب هذه التحولات، يبرز ممر نتساريم، ذلك الخط الفاصل الذي شقه جيش الاحتلال الإسرائيلي، ليتحول من ممر عسكري مخيف إلى متنفس شعبي يضج بالحياة والنشاط كل يوم جمعة.
من ثكنة عسكرية إلى ساحة للإبداع
لم يعد ممر نتساريم مجرد طريق عسكري يربط شرق القطاع بغربه، بل تحول إلى ساحة مفتوحة لاستعراض المهارات. يتجمع مئات الشبان أسبوعياً لمشاهدة عروض الدراجات النارية والسيارات وسط الكثبان الرملية المنتشرة على جانبي الطريق. هذا التحول يمثل رداً شعبياً غير مباشر على محاولات كسر إرادة الغزيين، حيث استبدلوا مشاهد القتل بمشاهد تضج بالأدرينالين والحيوية.
مفارقة المشهد: بين الذاكرة المؤلمة والواقع الجديد
يقارن الشاب وسيم العيسوي، أحد رواد المكان، بين فترتين متناقضتين في تاريخ الممر:
- فترة الحرب: حينما تحول الممر إلى "مصيدة" لقتل الفلسطينيين النازحين والجوعى المنتظرين للمساعدات الإنسانية.
- فترة ما بعد الاتفاق: حيث تحول إلى مساحة للترفيه والهروب من ضيق الخيام وقسوة الظروف المعيشية بعد تدمير المنازل.
التحديات النفسية والواقع الميداني المتربص
رغم أجواء الفرح المؤقتة، لا تزال المخاطر تحدق بالمكان. فجيش الاحتلال، وإن انسحب من قلب الممر الممتد بطول 6 كيلومترات، لا يزال يتمركز في المناطق المرتفعة المطلة عليه، مما يجعل المتواجدين هناك أهدافاً محتملة للقناصة وإطلاق النار العشوائي.
ومع ذلك، يرى الغزيون أن التواجد في ممر نتساريم أصبح ضرورة نفسية ملحة:
- تفريغ الطاقة السلبية: كما يصف الشاب خميس العريان، الذي يرى في استعراضات الدراجات وسيلة لتجاوز تراكمات عامين من الحرب.
- استعادة التوازن النفسي: البحث عن مساحات مفتوحة وهواء طلق للتخفيف من حالة الكبت والحزن المتراكم.
- التفاعل الاجتماعي: شعور الناس بأنهم لا يزالون جزءاً من مجتمع حي قادر على صناعة الفرح رغم كل الخسارات.
عقبات اقتصادية في طريق الهواية
لا تقتصر التحديات على الجانب الأمني فحسب، بل تمتد لتشمل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي خلفها الحصار:
- ارتفاع أسعار الوقود: ندرة المحروقات تجعل ممارسة هواية القيادة والاستعراض مكلفة جداً.
- فقدان قطع الغيار: يمنع الاحتلال إدخال قطع الغيار، مما يضطر الشباب لابتكار حلول صعبة للحفاظ على مركباتهم.
الجذور التاريخية لممر نتساريم
تعود تسمية الممر إلى "مستوطنة نتساريم" التي أقامها الاحتلال عام 1972، وظلت جاثمة على صدور الغزيين حتى انسحاب عام 2005. وخلال العدوان الأخير في نوفمبر 2023، أعاد الجيش الإسرائيلي احتلال المنطقة لقطع أوصال القطاع، قبل أن تفرض المقاومة والظروف السياسية انسحاباً تدريجياً أتاح للنازحين العودة واستخدام المكان كمتنفس.
الخلاصة:
يبقى ممر نتساريم شاهداً حياً على قدرة الإنسان في غزة على التكيف واستعادة المساحات المسلوبة، محولاً رمزية القمع والاحتلال إلى ساحة للتحدي وإثبات إرادة الحياة.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً