مقدمة: البيت المسلم.. كنف السكينة ومأوى المودة
إن المتأمل في شريعة الإسلام الغراء يجدها قد أحاطت الأسرة بسياج متين من الحفظ والرعاية، وجعلت من البيت المسلم قلعة حصينة تُبنى فيها الأجيال وتُصان فيها القيم. وفي قلب هذا الكيان الشامخ، تبرز مكانة المرأة في بيت الزوجية كجوهرة مكنونة، لا يقتصر دورها على مجرد الحضور المادي، بل يتعداه إلى ملكية معنوية وسيادة روحية أقرها الوحي الإلهي في محكم التنزيل.
هناك علاقة ترابط قوية وطيدة بين المرأة (الزوجة) والبيت الذي تعيش فيه، هذه العلاقة لم تكن وليدة صدفة أو عرف اجتماعي عابر، بل هي علاقة أرسى قواعدها القرآن الكريم؛ حيث نجد لفتة بيانية مذهلة حين أضاف الله سبحانه وتعالى البيوت إلى أزواجهن (أي الزوجات)، رغم أن الزوج هو الكادح في بنائه، والمتملك له شرعاً وقانوناً. وفي هذا التخصيص الإلهي من الحِكم والفوائد ما يدهش الألباب، ويغيب عن كثير من الأزواج في زحمة الحياة.
أولاً: عظمة القرآن في ترسيخ استقرار الأسرة
تتجلى عظمة القرآن الكريم في قدرته الفريدة على تربية النفوس وتوجيهها نحو السمو. إن نسب البيت للمرأة في القرآن الكريم ليس مجرد مجاز لغوي، بل هو أداة لترسيخ قواعد الأسرة والمحافظة على استقرارها وأمانها وسعادتها. حين تشعر الزوجة أن هذا البيت هو “بيتها” بنص القرآن، يزداد شعورها بالانتماء والمسؤولية، ويتحول السكن من مجرد جدران صماء إلى محراب للعبادة وميدان للعطاء.
إن هذا الاستقرار النفسي الذي يمنحه القرآن للمرأة هو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أمان المجتمع؛ فالمرأة المستقرة في بيتها، الشاعرة بمكانتها، هي الأقدر على بث روح السكينة في زوجها وأبنائها، وهي الحصن الذي تتكسر عليه أمواج الفتن والاضطرابات.
ثانياً: المرأة هي الملكة الفعلية لمملكتها الداخلية
لقد جعل القرآن الكريم مكانة عالية للمرأة في بيت الزوجية، وكأنها هي مالكته الفعلية؛ وذلك تقديراً لقيامها بكل شؤونه الداخلية من رعاية، وتربية، وتغذية، وإشراف، وإدارة، ومتابعة. هي التي تحيل الطعام طاقة، والفرش راحة، والكلمة حناناً. وانظروا إلى دقة التعبير القرآني في قصة يوسف عليه السلام، قال الله تعالى: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} [يوسف: 23].
تأملوا معي هذا الإعجاز: مع أن العزيز كان ملكاً أو وزيراً في دولة كبيرة، ويمتلك القصور والخدم، إلا أن القرآن نسب البيت لزوجته، فلم يقل: (وراودته التي هو في بيت زوجها)، بل قال: {فِي بَيْتِهَا}. وهذا يدل دلالة واضحة على عظم إكرام المرأة في بيتها، وأنها هي الآمرة الناهية في شؤون منزلها، وهي صاحبة السلطان المعنوي فيه، مما يوجب على الرجل احترام هذه الخصوصية وتقدير هذا الدور القيادي.
ثالثاً: شرف النسبة إلى أمهات المؤمنين ونساء المسلمين
إن البيت السعيد والصالح لا يشرف ولا يزكو إلا بزوجة صالحة، تقية، نقية، تكون هي عماده ونوره. ولنا في بيوت النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة؛ فرغم مكانته العلية، وهي بيوته وملكه يقيناً، إلا أن الله تعالى نسب تلك البيوت الطاهرة لأولئك الأمهات الطاهرات النقيات. قال تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} [الأحزاب: 33]، وقال أيضاً: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34].
هذا الخطاب الإلهي موجه لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، ولنساء المؤمنين عامة إلى يوم الدين. ولو تأملت المرأة المسلمة هذا الشرف العظيم، وهذا الإكرام النبيل، لتبين لها أن هناك إشارة قوية تحثها على الحرص على كيان بيتها، والاعتناء به، وملازمته، والتلذذ بالقيام بشؤونه. إن البيت بالنسبة للمرأة ليس سجناً كما يروج المغرضون، بل هو حصن وثيق وسد منيع يحميها من عواصف المكر والخداع التي تحاك لزعزعة الأسرة المسلمة، والتشكيك في دينها، وجرها نحو التنازل عن مبادئها وأخلاقها.
رابعاً: المسؤولية والرعاية.. أمانة في عنق الزوجة
أيتها الزوجة الفاضلة، ما دام البيت بيتكِ بنص القرآن، والشرف شرفكِ، وكل شؤونه تحت مسؤوليتكِ، فأنتِ الراعية المؤتمنة. وقد جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، والأمير راعٍ، والرجل راعٍ على أهل بيته، والمرأة راعية على بيت زوجها وولده، فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته».
إن أول رعاية يجب أن تحرصي عليها هي امتلاك قلب زوجكِ بالحب، والمودة، والرحمة، والاحترام، والتقدير. إن هذا الامتلاك القلبي هو الأعظم والأبقى، وهو السبب الحقيقي الذي يوطد ملككِ في البيت، ويعلي شأنكِ في عين زوجكِ، ويرفع درجتكِ عند خالقكِ. كوني لزوجكِ أرضاً يكن لكِ سماءً، وكوني له أمةً يكن لكِ عبداً.
خامساً: المحافظة على النعمة وشكر الوهاب
من المعلوم يقيناً أن الإنسان إذا رُزق نعمة من الله، وجب عليه شكرها والمحافظة عليها لتدوم وتزيد، قال تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]. ونسبة البيت لكِ أيتها الزوجة هي نعمة وهبكِ الله إياها لتكوني سيدة داركِ. لذا، فإن المحافظة على هذا الكيان واجبة شرعاً؛ طاعة لله سبحانه، وتعبداً بطاعته، ثم طاعة لرسوله، ثم طاعة لزوجكِ في المعروف.
إن القيام بشؤون البيت وتربية الأبناء والعناية بهم يستلزم وقتاً وجهداً وتفرغاً؛ لذا فإن كثرة خروج المرأة من بيتها بغير ضرورة قد يكون سبباً لضياع هذا الكيان وتشتيت شمله. بل قد ينجر عن ذلك سلب هذا البيت منها بالكلية نتيجة التقصير أو الخلافات. فلتنتبه المرأة المسلمة، ولا تغتر بكثرة المرجفات الغافلات اللاتي يضيعن أوقاتهن في الطرقات والأسواق، ويتركن مملكتهن الحقيقية للضياع.
سادساً: البيت مدرسة للقرآن ومنارة للحكمة
وردت إشارة بليغة في قوله تعالى: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34]. هذه الآية ترسم خارطة الطريق لكيفية المحافظة على بيت الزوجية واستمراره؛ وذلك بتحويله إلى مدرسة لتعليم القرآن والسنة.
فكأن القرآن يخاطب المرأة قائلاً: إذا أردتِ أن يبقى هذا البيت لكِ مأوىً وسكناً، فلا يكن همكِ الأول تزيينه المادي بالترتيب والتنظيف فحسب، بل زينه بالذكر والطاعة. اجعلي لكِ وقتاً تتدارسين فيه مع زوجكِ وأبنائكِ كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. إن البيت الذي يُقرأ فيه القرآن تضيء جوانبه، وتحضره الملائكة، وتفر منه الشياطين، ويزكو فيه الحب.
سابعاً: كرامة المرأة حتى في لحظات الفراق
ما أعظم هذا الدين الذي يحفظ للمرأة كرامتها حتى في أصعب اللحظات! حتى في حال النزاع والخلاف الذي يصل إلى الطلاق الرجعي، لم يقطع الشرع حبل المودة بسهولة. لقد نهى الله عز وجل الرجال عن إخراج النساء من بيوتهن في حالة الغضب الذي يترتب عليه الطلاق؛ فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} [الطلاق: 1].
تأمل قوله: {مِنْ بُيُوتِهِنَّ}، ففي هذه الآية قطع لحجة الرجل بأن البيت بيته، بل يظل البيت منسوباً لها معنوياً في فترة العدة. والشرع هنا يوجه رسالة للرجل: حتى وإن كنت تملك البيت مادياً، فإن حق المرأة فيه باقٍ لعل القلوب ترق، وتعود المراجعة. كما أنه توجيه للمرأة ألا تتعجل بالخروج، بل تظل في مملكتها، تتزين لزوجها وتتقرب إليه بالإحسان، لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً، فتعود المياه إلى مجاريها، وتحافظ على بيتها من شتات الشيطان وعناد النفس.
ثامناً: حدود التكريم والتحذير من الفاحشة
هناك أمر في غاية الأهمية والخطورة؛ إن هذا التكريم الإلهي بنسبة البيت للمرأة مشروط بالالتزام بحدود الله. فإذا تعدت المرأة حدود الله، ولم تلتزم بشرعه، وأتت بالفاحشة المبينة بشهادة الشهود، سُحب منها هذا التكريم؛ لكونها لم تعد تستحقه. قال تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15].
في هذه الحالة، يسلب منها شرف نسبة البيت لها؛ لأنها لطخت عرضها وسمعة أهلها، وخانت الأمانة التي استؤمنت عليها. إن البيت المسلم طاهر، ولا يتحمل من تبيع كرامتها بأبخس الأثمان.
خاتمة: لماذا لم يُنسب البيت للرجل؟
قد يتبادر إلى الأذهان سؤال: لماذا لم يُنسب البيت للرجل في هذه المواضع؟
والجواب -والله أعلم- أن الرجل لم يُخلق للبقاء الدائم في البيت، بل خُلق ليكون كادحاً، يسعى في مناكب الأرض طلباً للرزق، أو دعوةً إلى الله، أو تعليماً، أو خدمةً للمجتمع. أما المرأة، فهي السكن، وهي عماد الدار، وهي التي تجعل من الجدران “بيتاً”.
فنحمد الله تعالى على هذا القرآن العظيم، والشرع القويم، الذي نظم حياة الإنسان بالعدل والحكمة، ووضح المهام لكل طرف بما يناسب فطرته وخلقته. إن الالتزام بهذا النهج الرباني هو السبيل الوحيد لتحقيق السعادة في الدنيا، والفوز بجنات النعيم في الآخرة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


اترك تعليقاً