من الصفا والمروة إلى آفاق الكون: فلسفة السعي ويقين الاستخلاف

من الصفا والمروة إلى آفاق الكون: فلسفة السعي ويقين الاستخلاف

مقدمة: في رحاب الشعيرة وانبثاق المعنى

إنَّ شعيرة السعي بين الصفا والمروة، بأشواطها السبعة، ليست في حقيقتها إلا استحضاراً لملحمة إيمانية كبرى، خطَّت معالمها أمُّنا هاجر عليها السلام حين تركها خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في وادٍ قفرٍ، لا زرع فيه ولا ماء، ولا أنيس يواسي ولا جليس يؤازر. لقد سعت سعيَ الإنسان المكدود الذي استنفد أسباب الأرض طمعاً في فيض السماء، فجعل الله تعالى من وقع خطوتها على تلك الأرض المباركة منارةً هاديةً لكل سائرٍ في دروب الحياة. وفي هذا المقال، نعتزم استجلاء تلك الأنوار المنبثقة من سعي هاجر، لنتزود بها في سعينا الكوني المستمر.

هاجر عليها السلام: مدرسة الجمع بين اليقين والعمل

لقد ضربت السيدة هاجر عليها السلام أروع الأمثلة في فقه الاستسلام لله سبحانه وتعالى مع الأخذ بالأسباب؛ إذ قبلت البقاء في تلك البيداء القاحلة ليقينها الراسخ بأنَّ الله عز وجل لن يضيعها. ومع ذلك اليقين، لم تركن إلى الدعة، بل استفرغت وسعها وطاقتها في استكشاف ما حولها، جامعةً بين حسن الظن بالله تعالى وحسن العمل. لقد كانت تفتش عن الرزق وتبحث عن سبل النجاة، مترقبةً ما يسوقه الله سبحانه وتعالى إليها من زادٍ أو ماء على يدِ غادٍ أو رائح.

جدلية الأمل والعمل: من عالم الأوهام إلى أرض الواقع

إنَّ العلاقة بين الأمل -باعتباره عبادة القلب- والعمل -باعتباره عبادة الجوارح- تستوجب بياناً شافياً؛ فمن الناس من تتقاذفه أمواج التمني، فينتظر أن تمطر السماء عليه ذهباً أو فضة دون أن يحرك ساكناً، فيقضي عمره رهيناً لأوهام الثراء السريع، ويقع فريسة للمخادعين.

بيد أنَّ المؤمن يدرك أنَّ الأمنيات تظل حبيسة عالم الخيال ما لم تدفع صاحبها نحو حركة واعية ومسؤولة. وفي هذه الرحلة من الفكرة إلى التحقيق، يتجلى الفارق بين من يلتزم بشريعة الله عز وجل وأخلاقها، وبين من ينحدر إلى شريعة الغاب، منتهكاً الحقوق ومتجاوزاً للحدود.

سعي القلوب: حين تسبق الأرواحُ الأبدان

وكما أنَّ للبدن سعياً، فإنَّ للقلب سعياً هو أشد أثراً وأعظم أجراً؛ فسعي القلوب إلى الله سبحانه وتعالى هو قوام الإصلاح. وفي تقدير هذا السعي القلبي، روى الإمام البخاري في صحيحه:

«أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حَبَسَهُمُ الْعُذْرُ».

إنَّ هذا العذر الذي حال بينهم وبين مكابدة السفر لم يحرمهم من فيض الأجر، لأنَّ قلوبهم كانت ترفرف مع إخوانهم. وفي هذا السياق، يذكر الشيخ ابن حنيفة العابدين في كتابه (العجالة في شرح الرسالة):

«وقد رتب الشارع النجاة من بعض العقوبات على تحديث النفس بالعمل الصالح إذا لم يستطعه المرء، والحكمة في ذلك تشوفه إليه، ورغبته فيه، والتحفز لفعله لولا المانع، كما في المريض والمسافر يكتب لهما ما كانا يفعلانه في حال الصحة والإقامة من النوافل».

مفارقة الحضور والغياب في رحاب البيت العتيق

تتجسد هذه المعاني حين نرى في بيت الله الحرام من يطوف ويسعى ببدنه وهو لاهٍ بحديثه أو منشغل بتصوير نفسه، بينما نجد في أقاصي الأرض من ينظر إلى الكعبة عبر الشاشات وقلبه يكاد يطير شوقاً، وتفيض عيناه دمعاً كلما ذكر البيت. فأيهما أقرب إلى الله سبحانه وتعالى؟ أمن طاف بالبيت وهو لاهٍ عنه، أم من نأى عنه بجسده واقترب بقلبه؟

«وربَّما سَبَقَ بعضُ مَن سارَ بقلبِهِ وهمَّتِهِ وعزمِهِ بعضَ السَّائرينَ ببدنِهِ».

مكابدة البدايات وبركة الاستقامة

إنَّ الخطوة الأولى في طريق الغايات الكبرى هي دائماً الأصعب؛ حيث يبدو الطريق طويلاً وموحشاً. وبينما يغامر البعض بتهور، يتريث آخرون حتى تضيع الفرص. أما المستلهمون من سعي هاجر، فإنهم يدركون وعورة الطريق لكنهم يستمدون المعونة من الله عز وجل، متسلحين بصبرٍ يوقن أنَّ مع العسر يسراً. إنَّ التاريخ يثبت أنَّ البدايات الصادقة، وإن بدت صغيرة، فإنَّ بركة الله تعالى تجعلها تنمو وتؤتي أكلها كل حين.

مراتب السعي: بين النفع القاصر والنفع المتعدي

يمكن تصنيف سعي الإنسان في هذه الحياة إلى مرتبتين:

  • السعي القاصر: وهو ما يختص به العبد في علاقته مع ربه، كذكر الله والمشي إلى المساجد، وهو سعي يورث القلب انشراحاً وطاقةً تعينه على تحمل آلام الآخرين.
  • السعي المتعدي: وهو الذي يمتد نفعه لعموم الخلق، كبناء المرافق، والدعوة إلى الخير، وإصلاح ذات البين، واستثمار روح التعاون.

وفي الحث على هذا السعي الذي ينشر الخير، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:

«مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ».

وكذلك ما يضيف للإنسان أجوراً ممتدة بعد رحيله، كما جاء في قوله ﷺ:

«إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ، وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ».

السعي لإرضاء الله: أثر يبقى عبر الأجيال

إنَّ السعي الصادق لإرضاء الله عز وجل يكتب الله به الحفظ والبركة للذرية من بعد العبد، كما في قوله تعالى:

﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تحتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: 82].

لقد حفظ الله تعالى كنز اليتيمين بصلاح أبيهما وسعيه القديم، وسخر لهما من عباده الصالحين من يحمي حقهما.

الخاتمة: ميزان العدل ووعي المسير

إنَّ الإسلام يرسخ في روع أتباعه أنَّ سعيهم مرصود وموزون بميزان القسط الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة، قال تعالى:

﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

وقال سبحانه وتعالى:

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى﴾ [النجم: 31].

وهذا الجزاء يتجلى في الدارين، كما قال ﷺ:

«إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً، يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا، وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ».

فيا أيها الساعي في فجاج الأرض، استصحب الوعي قبل السعي، واستحضر النية الصالحة في كل حركة وسكون، واعلم أنك موقوف ومسؤول، فاجعل سعيك لله وبالله، لتفوز برضوان الله في يومٍ تجد فيه كل نفسٍ ما عملت من خيرٍ محضراً. اللهم سدد خطانا في سعينا إليك، واجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *