صراع البقاء فوق مقاعد الدراسة: قصة انهيار التعليم الجامعي في اليمن
لم يكن الشاب اليمني أحمد وهيب (23 عاماً) يتخيل يوماً أن تفوقه في الثانوية العامة سينتهي به واقفا خلف بسطة خضروات في أحد أسواق عدن الشعبية. أحمد، الذي كان يحلم بمستقبل أكاديمي واعد، وجد نفسه مضطراً لمقايضة القلم بالبندورة، والشهادة بلقمة العيش، في تلخيص حي لمأساة جيل كامل.
الواقع القسري: الجوع لا ينتظر التخرج
تعكس قصة أحمد واقع آلاف الشباب الذين دفعهم الانهيار الاقتصادي إلى هجر التعليم الجامعي في اليمن. يقول أحمد بمرارة: "كنت أرى الجامعة طريقي للاستقرار، لكنني وُضعت بين خيارين: دفع تكاليف الدراسة أو توفير الطعام لأسرتي. اخترت السوق لأن الجوع لا ينتظر التخرج".
تؤكد التقارير الدولية أن أكثر من 80% من اليمنيين يعيشون تحت خط الفقر، مما جعل التعليم رفاهية لا تطيقها الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.
أرقام صادمة: قاعات دراسية خالية من طلابها
تشير البيانات الرسمية إلى تراجع مرعب في معدلات الالتحاق بالجامعات، حيث سجلت جامعة صنعاء انخفاضاً وصل إلى 80% في بعض الأقسام. وفي جامعة عدن، يبدو المشهد أكثر مأساوية:
- كلية التربية: انخفض عدد المسجلين من 1128 طالباً عام 2014 إلى 180 طالباً فقط لعام 2025.
- كلية الآداب: تراجع العدد من 2090 طالباً قبل الحرب إلى 887 طالباً حالياً.
- أقسام مهجورة: خلت أقسام الفيزياء والكيمياء واللغة العربية تماماً من المتقدمين في بعض المستويات.
لماذا يفقد الشباب اليمني الثقة في الشهادة الجامعية؟
يرى المختصون أن العزوف ليس اقتصادياً فحسب، بل هو نتاج فقدان الجدوى من التعليم التقليدي، وذلك للأسباب التالية:
- توقف التوظيف الحكومي: غياب التعيينات الرسمية منذ عام 2011 جعل الشهادة مجرد ورقة بلا قيمة وظيفية.
- جاذبية القطاع العسكري: أصبح الالتحاق بالجيش أو الفصائل المسلحة خياراً أسرع للحصول على رواتب (أحياناً بالعملة الصعبة) تفوق رواتب أساتذة الجامعات.
- تغير نظرة المجتمع: تدهور المركز الاجتماعي للمعلم والأكاديمي بسبب تدني الرواتب.
العسكرة مقابل المعرفة: خطر يهدد المستقبل
يحذر الأكاديميون من ظاهرة "عسكرة الشباب" على حساب المعرفة. ويشير أديب ناصر لصور، نائب عميد كلية الآداب، إلى أن توجه الشباب نحو القطاع العسكري يوفر دخلاً فورياً لكنه ينذر بفقدان ركائز التنمية المستدامة في المجتمع اليمني.
بالمقابل، تحاول جامعة عدن التكيف عبر تحديث برامجها وفتح تخصصات تقنية وطبية تلبي احتياجات سوق العمل الحالي، مثل علوم الحاسوب واللغة الإنجليزية، وهي الأقسام الوحيدة التي ما زالت تشهد إقبالاً نسبياً.
خاتمة: فجوة تتسع
يبقى التعليم الجامعي في اليمن يصارع للبقاء في ظل حرب استنزفت البشر والحجر. وبدون تدخل حقيقي لإعادة الاعتبار لقيمة العلم وتوفير فرص عمل حقيقية، ستظل "بسطات الخضار" و"الجبهات" هي الوجهة البديلة لجيل كان من المفترض أن يبني مستقبل اليمن.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً