هل تستعيد الشوارع ذاكرتها حين تضيق الصدور بالواقع؟
في قلب العاصمة التي شهدت يوماً ميلاد الربيع، عادت مظاهرات تونس لتصدح بصوتٍ يرفض السكون، حيث احتشد المئات في مسيرةٍ انطلقت من ساحة الجمهورية وصولاً إلى شارع الحبيب بورقيبة. لم يكن هذا الخروج مجرد تجمع عابر، بل هو تجسيد لحالة من الغليان السياسي والاجتماعي، دعت إليه حركة «نَفَس» بمؤازرة طيف واسع من القوى المدنية والأحزاب المعارضة، مطالبين برحيل الرئيس قيس سعيّد واسترجاع المسار الديمقراطي الذي يرونه قد انحرف عن سكته.
حراك «نَفَس»: محاولة لترميم الشتات السياسي
يبرز حراك «نَفَس» اليوم كإطار مواطني يسعى بجدية إلى صهر التناقضات السياسية في بوثقة واحدة. وبحسب منسق الحراك، حسام الحامي، فإن هذه الجولة الثالثة من الاحتجاجات كشفت عن اتساع رقعة الرفض الشعبي والسياسي لسياسات السلطة الحالية. إن الهدف الأسمى لهذا الحراك هو «الجمع والتوحيد»، وهي ضرورة تمليها الظروف الراهنة لمواجهة ما وصفه بتردي الأوضاع العامة.
لقد وجد هذا الحراك صدىً لدى قوى وازنة مثل «جبهة الخلاص الوطني»، مما يعكس رغبة جماعية في خلق أرضية مشتركة للدفع نحو تغيير سياسي جذري، ينهي حالة الانفراد بالقرار ويعيد الاعتبار للحريات العامة.
أوجاع تونس بين مطرقة السياسة وسندان المعيشة
لم تكن المطالب السياسية بمعزل عن الأنين الاقتصادي؛ فالمواطن التونسي يجد نفسه اليوم محاصراً بأزمات معيشية خانقة. وقد لخص هشام العجبوني، الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي، هذا المشهد بقوله إن التونسيين باتوا على «موعد يومي مع الأزمات».
ويمكن رصد ملامح هذا التردي في الخدمات العامة من خلال النقاط التالية:
- انقطاعات متكررة: في شرياني الحياة الأساسيين؛ الماء والكهرباء.
- أزمات قطاعية: إضرابات متتالية في قطاع المحروقات أربكت حركة التنقل والإنتاج.
- نقص الدواء: شح في الأدوية الأساسية، مما يهدد الأمن الصحي للمواطنين.
- الضغوط المعيشية: غلاء فاحش ونقص في المواد التموينية الأساسية أثقل كاهل الأسر التونسية.
مسار الاحتجاج: من «حصيلة الحكم» إلى «كفى عبثاً»
إن هذه التظاهرة ليست حدثاً منفرداً، بل هي حلقة في سلسلة من التحركات المدروسة التي نظمها حراك «نَفَس» خلال الأشهر القليلة الماضية، ولعل أبرز محطاتها:
- تحرك 5 يونيو/حزيران: الذي رفع شعار «هات حصيلة حكمك»، مركزاً على المساءلة السياسية والاقتصادية.
- تحرك 25 يوليو/تموز: الذي جاء تحت شعار «يزّي من العبث» (كفى عبثاً)، بالتزامن مع الذكرى الخامسة للإجراءات الاستثنائية التي اتخذها الرئيس سعيّد في 2021.
تتمحور هذه التحركات حول غاية جوهرية هي الدفاع عن الحريات، والمطالبة بالإفراج عن الموقوفين في قضايا الرأي والقضايا السياسية، معتبرين أن استمرار الوضع الراهن هو استنزاف لمقدرات الدولة وهويتها الديمقراطية.
خاتمة: حينما يتحدث التاريخ بلسان الشعوب
إن ما تشهده تونس اليوم هو تجلٍّ حيّ للصراع بين إرادة التغيير وواقع الجمود. فالمسيرات التي تمزج بين المطالب السياسية العليا والاحتياجات المعيشية الصغرى، تؤكد أن الوعي الشعبي لا ينفصل فيه الخبز عن الحرية. ستبقى تونس، كما كانت دائماً، مختبراً للأفكار ومنارة للبحث عن الكرامة، بانتظار أفق سياسي يلم شتات الوطن ويحقق تطلعات أبنائه في دولة المؤسسات والقانون.



اترك تعليقاً