هل يصبح شريان الحياة طريقاً نحو الفناء؟
هل يتصور العقل أن يتحول الدم، ذلك النهر القرمزي الذي يحمل سر الوجود، إلى عبء ثقيل يطارد صاحبه في كل نبضة؟ في قطاع غزة، لم يعد فقر الدم مجرد تشخيص سريري، بل غدا صراعاً يومياً مريراً يخوضه مرضى الدم في غزة ضد قدرٍ تآمرت فيه الأوجاع مع الحصار. إنهم يقفون اليوم على حافة الهاوية، حيث تتلاشى الإمدادات الطبية وتصمت الأجهزة المخبرية، تاركةً آلاف الأرواح معلقةً بخيط رفيع من الأمل.
حكايات خلف الجدران: حين تكون النجاة رهينة متبرع
في أزقة مواصي خان يونس، نجد السيدة الستينية «رسمية إسماعيل»، التي ينهش جسدها مرض «تكسر الدم» (Hemolysis). هذا الداء يشبه إعصاراً صامتاً يحطم كرات الدم الحمراء قبل أوانها، مما يترك جسدها في حالة من الهبوط والغثيان الدائمين.
تصف رسمية حالتها بكلمات تقطر أسى؛ فهي لا تذهب إلى المستشفى طلباً للعلاج فحسب، بل تبحث في وجوه العابرين عمن يمنحها قطرات من الحياة. تمكث الأيام الطوال في ردهات المشافي بانتظار وحدة دم أو وحدتين، والهاجس الذي يمزق وجدانها ليس المرض ذاته، بل خشيتها من يومٍ تذهب فيه للمشفى فلا تجد من يمنحها دمه، ليصبح ذلك اليوم هو الفصل الأخير في رواية حياتها.
الطفولة الموؤودة وصفائح الدم النادرة
وفي غرف العناية المتوسطة بمستشفى شهداء الأقصى، يرتسم مشهد أكثر قسوة؛ الطفل «معاذ أبو شاويش» يصارع سكرات الموت. يعاني معاذ من تكسر حاد في الدم، وجسده الغض يحتاج يومياً إلى «الصفائح الدموية» (Platelets) لضمان عدم حدوث نزيف داخلي قاتل.
إن حالة معاذ ليست مجرد رقم في سجلات المرضى، بل هي استغاثة إنسانية تتطلب تدخلاً جراحياً دقيقاً يتمثل في «زراعة نخاع العظم» (Bone Marrow Transplant)، وهي عملية يستحيل إجراؤها داخل القطاع المنهك، مما يجعل سفره للخارج ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل.
لغة الأرقام: حين تعجز المختبرات عن النطق
خلف الأبواب المغلقة للمختبرات الطبية، تدور كارثة صامتة بلغة الأرقام والإحصائيات التي لا تجمل الواقع:
- عجز بنسبة 100%: وصلت نسبة النقص في الفحوصات الحساسة مثل «تعداد الدم الكامل» (CBC) وفحوصات «غازات الدم الرئيسية» إلى مستويات مرعبة بلغت حد العدم.
- سباق مع الزمن: صرح المدير العام لمختبرات مستشفى شهداء الأقصى، عبد الله وشاح، أن المخزون المتبقي من مواد الفحص الأساسية لا يكفي إلا لفترة تتراوح بين 7 إلى 10 أيام فقط.
- توقف التشخيص: غياب هذه الفحوصات يعني أن الأطباء يعملون في عتمة طبية، حيث لا يمكنهم تتبع حالات مرضى الأورام أو المصابين في العناية المركزة، مما يحول التشخيص إلى محض تخمين.
زراعة النخاع.. الحلم البعيد خلف الأسلاك
إن المئات من مرضى الدم في غزة يحتاجون إلى إجلاء طبي فوري. فعملية زراعة نخاع العظم تمثل بالنسبة لهم إعادة صياغة للحياة من جديد، إذ يتم استبدال الخلايا الجذعية التالفة بأخرى سليمة قادرة على بناء جيش من كرات الدم الحمراء والبيضاء. ولكن، في ظل إغلاق المعابر وتدهور المنظومة الصحية، يظل هذا الحلم بعيد المنال، وتظل أجسادهم مسرحاً للوهن والضعف.
خاتمة: صرخة في وادي الصمت
إن ما يواجهه مرضى الدم في غزة اليوم ليس مجرد نقص في «المستلزمات»، بل هو استنزاف للحق الإنساني الأول في الحياة. إن كل وحدة دم تُفقد، وكل فحص مخبري يتوقف، هو بمثابة إطفاء لشمعة في نفق مظلم. سيبقى الأمل معقوداً على ضمير إنساني يستيقظ ليمد يد العون لهؤلاء الذين لا يطلبون سوى حقهم في التنفس والشفاء، لتبقى دماء غزة شاهدةً على صمود أسطوري في وجه الفناء.



اترك تعليقاً