مقدمة: في رحاب الاصطفاء الرباني للأزمنة
إن من عظيم منة الله سبحانه وتعالى على عباده أن جعل لهم مواسم للطاعات، تضاعف فيها الأجور، وتتزكى فيها النفوس، فاصطفى سبحانه من الدهر أزمنة، ومن الأرض أمكنة. فكما فضل القرن الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم على سائر القرون، وشهر رمضان على سائر الشهور، ويوم الجمعة على سائر أيام الأسبوع، فقد تجلى فضل عشر ذي الحجة على سائر الأيام، كما فضل ليلة القدر على سائر الليالي، والمصطفى صلى الله عليه وسلم على سائر الخلق، ومكة المكرمة على سائر البلاد.
عشر ذي الحجة: مجمع أركان الإسلام وموسم الطاعات
تكتسي هذه الأيام العشر مهابة وجلالاً؛ لكونها الوعاء الزماني الذي اجتمعت فيه أمهات العبادة، من صلاة وصيام وصدقة وحج، وهو ما لا يتأتى في غيرها من الأيام. لذا كان التشمير للطاعة فيها مطلباً شرعياً جليلاً.
في فقه الصيام خلال العشر
يعد الصيام من آكد الأعمال الصالحة المستحبة في هذه الأيام، وقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صائماً في العشر قط». وقد وجه العلماء هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم ربما كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يُفرض على أمته، أو لعارض سفر أو مرض، وأكدوا أن صيام هذه التسعة ليس مكروهاً بل هو مستحب استحباباً شديداً، لاسيما اليوم التاسع وهو يوم عرفة، الذي ثبتت في فضله الأحاديث الصحيحة.
الأدلة النبوية على خيرية هذه الأيام
لقد نطق الوحي بفضل هذه الأيام بعبارات صريحة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام» -يعني أيام العشر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، فلم يرجع من ذلك بشيء».
وتتجلى ثمرات العمل الصالح في هذه الأيام في الآتي:
- مباعدة النار: فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من صام يوماً في سبيل الله، باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً».
- القسم الإلهي: لقد عظم الله سبحانه وتعالى قدر هذه الليالي فأقسم بها في كتابه العزيز فقال: {وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ} [الفجر: 1-2]، والقسم بالشيء دليل على عظمة شأنه.
- العبادة في وقت الغفلة: أشار العيني إلى أن السر في فضل هذه العشر هو أن العبادة في أوقات الغفلة والاشتغال بمصالح الدنيا والأسواق تكون أفضل وأزكى، كقيام جوف الليل والناس نيام.
خصائص فريدة ومضاعفة للأجور
يؤكد الحافظ ابن حجر أن ميزة هذه العشر تكمن في اجتماع أصول العبادات فيها، وحتى أيام التشريق تكتسب شرفها من مجاورتها لهذه العشر وإتمام مناسك الحج فيها. ويقول الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله: «العمل المفروض في عشر ذي الحجة أفضل من العمل المفروض في غيره، ومضاعفته أكثر، وكذلك التطوع فيه أفضل من التطوع في غيره».
وهي الأيام التي عناها الله سبحانه وتعالى بقوله: {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28]، حيث ذهب جمهور المفسرين إلى أن الأيام المعلومات هي عشر ذي الحجة. كما أنها ختام أشهر الحج التي قال فيها سبحانه: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197].
الحج المبرور وذروة السنام
سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «جهاد في سبيل الله»، قيل: ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور». وقال صلى الله عليه وسلم: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة».
شعائر العشر وسننها المستحبة
من تعظيم هذه الأيام إحياء سنة التكبير والتهليل، فقد كان ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهما يخرجان إلى السوق في أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما. كما يستحب قيام ليلها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»، وكان سعيد بن جبير يقول: «لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر» تعبيراً عن اجتهاده في العبادة.
يوم عرفة ويوم النحر
يعد اليوم التاسع (يوم عرفة) من أعظم أيام الله، ويليه يوم النحر الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أعظم الأيام عند الله تبارك وتعالى يوم النحر ثم يوم القر».
ومن السنن الثابتة لمن أراد أن يضحي أن يمسك عن شعره وأظفاره منذ دخول العشر، لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخلت العشر، وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يمس من شعره وبشره شيئاً». ويستحب عند الذبح الدعاء بالقبول: «باسم الله، اللهم تقبل من (فلان) وآل محمد وأمة محمد».
خاتمة: دعوة للاغتنام
إن هذه العشر هي مضمار السباق، وموسم التجارة الرابحة مع الله سبحانه وتعالى، فالسعيد من اغتنم لحظاتها في الذكر، وساعاتها في الطاعة، وأيامها في الصيام. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا فيها لصالح الأعمال، وأن يتقبل منا ومنكم الطاعات، ويجعلنا من عتقائه من النار في هذه الأيام المباركات.



اترك تعليقاً