إشراقة الفجر في دياجير الأمة
إنّ تاريخ الإسلام المجيد يمثل الرافد الأعظم في مسيرة الحضارة الإنسانية؛ إذ أضاء السلف الصالح بنور إيمانهم ظلمات العالم بعد طول ليلٍ بهيم، فشيدوا مجداً تليداً وسؤدداً تعجز الأمم عن مضاهاته. لقد كان هؤلاء هم الحاملون الحقيقيون لراية التوحيد، فأنقذوا الأمة من الحيرة والضلال، باذلين مهجهم في سبيل اتباع شرع الله سبحانه وتعالى. ومن بين تلك النجوم الزاهرة التي تلألأت في سماء القرن السادس الهجري، يبرز اسم السلطان نور الدين محمود زنكي كنموذج فذّ للقائد الذي جمع بين هيبة الملوك وزهد النساك.
المنبت الطيب والنشأة المباركة
ولد الملك العادل نور الدين محمود زنكي في عام 511 للهجرة، في بيتٍ عُرف بالجهاد والسيادة. فجده «آق سنقر الحاجب» كان والياً على حلب، ووالده «عماد الدين زنكي» هو فاتح الرها ومحرر العديد من الحصون من يد المعتدين.
تولى نور الدين مقاليد الحكم عام 541 للهجرة بعد استشهاد والده، وكان رجلاً مهيباً، أسمر اللون، طويل القامة، ذا سمتٍ حسن ولحية خفيفة. لم يكن مجرد حاكمٍ سياسي، بل كان عالماً فقيهاً متبعاً للسنة النبوية، خطاطاً مجيداً، وتالياً لكتاب الله سبحانه وتعالى آناء الليل وأطراف النهار.
سمات القائد الرباني: زهدٌ وعلمٌ وعبادة
تجلت عظمة نور الدين في شدة ورعه؛ فقد كان لا يأكل ولا يلبس إلا من حلال ماله، متجنباً أموال بيت المال والفيء إلا بعد استشارة الفقهاء. ومن أبرز صفاته:
- القيام والتبتل: كان يصلي العشاء ثم ينام هنيئة، ليستيقظ في جوف الليل متوضئاً مصلياً لربه حتى مطلع الفجر.
- العفة والترفع: لم يُسمع منه كلمة بذيئة قط، وكان يحرم على نفسه لبس الحرير أو الذهب، ويصرف الهدايا الملوكية لترميم المساجد.
- التواضع للعلماء: كان ينهى الخطباء عن المبالغة في ألقابه على المنابر، ويقرب الفقهاء وأهل الصلاح، حتى قال عنه ابن الأثير: «لم أرَ بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكاً أحسن سيرة من الملك العادل نور الدين».
العدل النوري: ميزان الشريعة في الحكم
أقام نور الدين «دار العدل» بدمشق، وكان يجلس فيها بنفسه أربعة أو خمسة أيام في الأسبوع، بلا حاجب ولا حارس، ليستمع إلى تظلمات الرعية، قويهم وضعيفهم. وكان يقول مؤكداً على مرجعية الوحي:
«إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وهو أعلم بما يصلحهم، وشرع شريعة هي مصلحتهم، فمصلحة الخلق تماماً في اتباع هذه الشريعة الإسلامية، ولو كان في غيرها مصلحة لشرعها الله تعالى، فنحن لا نحتاج إلى غيرها».
وفي دفاعه عن حياض الدين، كان يقول: «نحن نحفظ الطريق من اللصوص وقطاع الطرق وهم أقل ضرراً، أفلا نحفظ الدين ونحميه؟ وهو أولى بالحماية».
سياسة الحزم وبناء الدولة والمؤسسات
لم يكتفِ نور الدين بالجهاد العسكري، بل أرسى قواعد الدولة المؤسسية:
- النهضة العلمية: هو أول من أنشأ داراً للحديث النبوي بدمشق، وبنى المدارس الشافعية والحنفية في شتى الأمصار.
- الرعاية الاجتماعية: شيد المستشفيات (البيمارستانات) وجعلها وقفاً للفقراء والأغنياء، وبنى الخانات للمسافرين ودور الأيتام.
- التحصين العسكري: بنى الأسوار والقلاع في حلب وحماة وحمص ودمشق، واستحدث نظام الحمام الزاجل لنقل الأخبار العسكرية بسرعة فائقة.
- إكرام الجند: كان يورث إقطاع الجندي المتوفى لابنه، ليكون ذلك دافعاً لهم للثبات في المعارك، يقيناً منهم أن عيالهم لن يضيعوا من بعدهم.
الفروسية في سبيل الله
كان نور الدين من أمهر الفرسان في وقته، وكان يلعب «الكرة والصولجان» (البولو) لا للهو، بل لتدريب الخيل والفرسان. وحين سُئل عن ذلك قال:
«إنما الأعمال بالنيات، وإنما نحرك خيلنا لئلا تفتر عن الكر والفر في سبيل الله، فوالله ما حملني على ذلك إلا هذا».
وحتى أعداؤه من الصليبيين شهدوا له بالصلاح، فكانوا يقولون: «إن ابن القاسم (نور الدين) له صلة بالله، وما انتصر علينا بكثرة جنده، وإنما بصلاته ودعائه في جوف الليل».
الرحيل والوصية الخالدة
ظل طموح نور الدين معلقاً بتحرير القدس، حتى إنه أمر بصناعة منبر عظيم ليُوضع في المسجد الأقصى بعد الفتح (وهو المنبر الذي نقله صلاح الدين لاحقاً). وفي عام 569 للهجرة، اختاره الله سبحانه وتعالى إلى جواره قبل أن يرى الفتح الأكبر، تاركاً وراءه أمة موحدة ومنهجاً سوياً.
وعندما كان يُحذره الإمام قطب الدين النيسابوري من تعريض نفسه للخطر في المعارك، كان رده يفيض توحيداً ويقيناً:
«ماذا يعني هذا كله؟ ومن أنا حتى أُعتبر هكذا؟ إن هناك من حفظ الإسلام وبلاده قبلي: الله الذي لا إله إلا هو».
خاتمة:
لقد كان نور الدين محمود زنكي تجسيداً حياً لقول الله سبحانه وتعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83]. فرحم الله الملك العادل، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وجعلنا ممن يقتفون أثر الصالحين في العلم والعمل والعدل.



اترك تعليقاً