استهلال: حين يصمت الرصاص ليتكلم التاريخ
هل يمكن لعشرة أيام أن تلملم شتات وطن مزقته النزاعات، أم أنها مجرد سكون عابر يسبق عاصفة أشد وطأة؟ حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن هدنة لبنان، اتجهت الأنظار قاطبة صوب بيروت وتل أبيب؛ حيث توقف أزيز الرصاص ليبدأ ضجيج السياسة في كتابة فصل جديد، يمزج بين بريق الأمل ووعورة الواقع على الأرض اللبنانية المثقلة بالجراح.
ملامح الاتفاق: عشرة أيام تحت مجهر الاختبار
جاء الإعلان الأمريكي مساء الخميس، السادس عشر من نيسان، ليضع حداً مؤقتاً لستة أسابيع من المواجهات المستعرة. هذا الاتفاق لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج محادثات تمهيدية نادرة ومباشرة جرت في واشنطن، ليرسم ملامح مرحلة انتقالية تتسم بالآتي:
- المدى الزمني: وقف إطلاق نار لمدة 10 أيام يبدأ من منتصف ليل بيروت وتل أبيب.
- المسار الدبلوماسي: جولة مفاوضات ثانية مرتقبة في البيت الأبيض خلال أسبوعين للوصول إلى اتفاق شامل.
- الوساطة الإقليمية: دور محوري لباكستان التي ربطت استقرار المنطقة بسلام لبنان.
السيادة الوطنية: رؤية الدولة وتحديات السلاح
تتمسك الحكومة اللبنانية بفرصة تاريخية لبسط سلطة الدولة، مستندة إلى مبادرة الرئيس جوزيف عون التي طرحها في التاسع من آذار الماضي. وترى الدولة أن الطريق نحو الاستقرار يمر عبر قنوات واضحة:
- انسحاب القوات الإسرائيلية الكامل كخطوة أولى لتثبيت الهدنة.
- إعادة انتشار الجيش اللبناني وصولاً إلى الحدود الدولية.
- تقديم دعم لوجستي دولي للمؤسسة العسكرية لتمكينها من فرض الأمن.
ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح الرسمي بموقف "حزب الله"؛ التنظيم الذي تعود جذوره إلى عام 1982، حيث يرفض التخلي عن سلاحه معتبراً إياه ضمانة للمقاومة ضد الاحتلال، خاصة في المناطق التي احتلتها إسرائيل خلال حرب 2023-2024.
التجاذبات الإقليمية: الظل الإيراني والضغط الأمريكي
لم تكن هدنة لبنان معزولة عن سياق المفاوضات الكبرى بين واشنطن وطهران. فقد شددت إيران على أن أي تهدئة يجب أن تشمل جبهة لبنان كشرط أساسي للمضي قدماً في ملفات أخرى، بما في ذلك الطموحات النووية. وفي المقابل، تبرز الضغوط الأمريكية على الحليف الإسرائيلي كعامل حاسم في تمرير هذه الهدنة، رغم الاعتراضات الداخلية في تل أبيب.
الميدان الإسرائيلي وحسابات نهر الليطاني
في المقلب الآخر، تتبنى القيادة الإسرائيلية خطاباً مزدوجاً؛ فبينما وافق نتنياهو تحت الضغط الأمريكي، أبلغ وزراءه أن الجيش سيبقى في مواقعه الحالية. وتبرز هنا نقاط الخلاف الجوهرية:
- نهر الليطاني: تسعى إسرائيل لجعل المنطقة جنوب النهر (الذي يبعد 30 كم عن الحدود) محظورة على عناصر حزب الله.
- الموقف الداخلي: اعتبر رؤساء السلطات المحلية الإسرائيلية الهدنة "استسلاماً" ما لم يتم القضاء على القدرات العسكرية للحزب.
مذكرة النقاط الست: نحو سلام دائم أم مسكن مؤقت؟
كشفت وزارة الخارجية الأمريكية عن اتفاق الطرفين على مذكرة تفاهم تضم ست نقاط أساسية، تهدف إلى تسهيل المحادثات برعاية واشنطن. ويحدو الدبلوماسيين أمل كبير في أن يمهد هذا الهدوء الطريق لاتفاق شامل ينهي الحرب، خاصة مع تلميحات ترمب بقرب التوصل إلى تفاهمات أوسع في اجتماع إسلام آباد المرتقب.
خاتمة: ميزان الحق والقوة
إن السلام الحقيقي لا يُكتب بمداد الحبر في أروقة العواصم البعيدة فحسب، بل يُصاغ بمدى احترام السيادة على ثرى الأرض. وتبقى هدنة لبنان اختباراً عسيراً لإرادة المجتمع الدولي في تحويل السكون المؤقت إلى أمن مستدام، فالتاريخ يعلمنا أن الهدنة التي لا تستند إلى العدل تظل هشّة كبيت العنكبوت أمام عواصف المصالح.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً